تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.98

أظهر القولين في هذه الآية الكريمة أن الكلام على حذف الإرادة. أي فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله..الآية. وليس المراد أنه إذا قرأ القرآن وفرغ من قراءته استعاذ بالله من الشيطان كما يفهم من ظاهر الآية، وذهب إليه بعض أهل العلم. والدليل على ما ذكرنا تكرر حذف الإرادة في القرآن وفي كلام العرب لدلالة المقام عليها. كقوله

يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة

المائدة 6 الآية، أي أردتم القيام إليها كما هو ظاهر. وقوله

إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم

المجادلة 9 الآية. أي إذا أردتم أن تتناجوا فلا تتناجوا بالإثم. لأن النهي إنما هو عن أمر مستقبل يراد فعله، ولا يصح النهي عن فعل مضى وانقضى كما هو واضح. وظاهر هذه الآية الكريمة أن الاستعاذة من الشيطان الرجيم واجبة عند القراءة. لأن صيغة افعل للوجوب كما تقرر في الأصول. وقال كثير من أهل العلم إن الأمر في الآية للندب والاستحباب، وحكى عليه الإجماع أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة، وظاهر الآية أيضا الأمر بالاستعاذة عند القراءة في الصلاة لعموم الآية. والعلم عند الله تعالى.

16.99-100

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الشيطان ليس له سلطان على المؤمنين المتوكلين على الله، وأن سلطانه إنما هو على أتباعه الذين يتولونه، والذين هم به مشركون. وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله

إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين

الحجر 42، وقوله

لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين

ص 82-83، وقوله

إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا

الإسراء 65، وقوله

وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك

سبأ 21 الآية، وقوله

وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي

إبراهيم 22. واختلف العلماء في معنى السلطان في هذه الآيات. فقال أكثر أهل العلم هو الحجة، أي ليس للشيطان عليهم حجة فيما يدعوهم إليه من عبادة الأوثان. وقال بعضهم ليس له سلطان عليهم. أي تسلط وقدرة على أن يوقعهم في ذنب لا توبة منه. وقد قدمنا هذا. والمراد ب، ﴿ الذين يتولونه ﴾ الذين يطعيونه فيوالونه بالطاعة. وأظهر الأقوال في قوله ﴿ والذين هم به مشركون ﴾ النحل 100 أن الضمير عائد إلى الشيطان لا إلى الله. ومعنى كونهم مشركين به هو طاعتهم له في الكفر والمعاصي. كما يدل عليه قوله تعالى

ألم أعهد إليكم يبني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين

يس 60، وقوله عن إبراهيم

يأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان

مريم 44 إلى غير ذلك من الآيات. وأما سلطانه على الذين يتولونه فهو ما جعلوه له على أنفسهم من الطاعة والاتباع والموالاة، بغير موجب يستوجب ذلك. تنبيه فإن قيل أثبت الله للشيطان سلطانا على أوليائه في آيات. كقوله هنا ﴿ إنما سلطانه على الذين يتولونه ﴾ النحل 100 الآية، وقوله

إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين

الحجر 42 فالاستثناء يدل على أن له سلطانا على من اتبعه من الغاوين مع أنه نفى عنه السلطان عليهم في آيات أخر. كقوله

ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين وما كان له عليهم من سلطان

سبأ 20-21 الآية. وقوله تعالى حاكيا عنه مقررا له

وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي

إبراهيم 22. فالجواب هو أن السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه، وذلك من وجهين الأول - أن السلطان المثبت له هو سلطان إضلاله لهم بتزيينه، والسلطان المنفي هو سلطان الحجة. فلم يكن لإبليس عليهم من حجة يتسلط بها، غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان. وإطلاق السلطان على البرهان كثير في القرآن. الثاني - أن الله لم يجعل له عليهم سلطانا ابتداء ألبتة ولكنهم هم الذين سلطوه على أنفسهم بطاعاته ودخولهم في حزبه، فلم يتسلط عليهم بقوة. لأن الله يقول

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٦٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٦٢٣