تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبشرهم بعذاب أليم

آل عمران 21، ونحو ذلك من الآيات. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من بغضهم للبنات مشهور معروف في أشعارهم. ولما خطبت إلى عقيل بن علفة المري ابنته الجرباء قال

إني وإن سيق إلى المهر ألف وعبدان وذود عشر أحب أصهاري إلى القبر

ويروى لعبد الله بن طاهر قوله

لكل أبي بنت يراعى شؤونها ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر فبعل يراعيها وخدر يكنها وقبر يواريها وخيرهم القبر

وهم يزعمون أن موجب رغبتهم في موتهن، وشدة كراهيتهم لولادتهن الخوف من العار، وتزوج غير الأكفاء، وأن تهان بناتهم بعد موتهم. كما قال الشاعر في ابنة له تسمى مودة

مودة تهوى عمر الشيخ يسره لها الموت قبل الليل لو أنها تدري يخاف عليها جفوة الناس بعده ولا ختن يرجى أود من القبر

16.61

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لو عاجل الخلق بالعقوبة لأهلك جميع من في الأرض، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة. لأن العجلة من شأن من يخاف فوات الفرصة، ورب السموات والأرض لا يفوته شيء أراده. وذكر هذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله في " آخر سورة فاطر "

ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة

فاطر 45 الأية، وقوله

وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب

الكهف 58 الآية. وأشار بقوله ﴿ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ﴾ إلى أنه تعالى يمهل ولا يهمل. وبين ذلك في غير هذا الموضع. كقوله

ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار

إبراهيم 42، وقوله

ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب

العنكبوت 53. وبين هنا أن الإنسان إذا جاء أجله لا يستأخر عنه، كما أنه لا يتقدم عن وقت أجله. وأوضح ذلك في مواضع أخر. كقوله

إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر

نوح 4 الآية، وقوله

ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ

المنافقون 11 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. واعلم - أن قوله تعالى

ما ترك عليها من دآبة

النحل 61 فيه وجهان للعلماء أحدهما - أنه خاص بالكفار لأن الذنب ذنبهم، والله يقول

ولا تزر وازرة وزر أخرى

الأنعام 164. ومن قال هذا القول قال ﴿ من دابة ﴾ أي كافرة. ويروى هذا عن ابن عباس. وقيل المعنى أنه لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء. وجمهور العلماء، منهم ابن مسعود، وأبو الأحوص، وأبو هريرة، وقال الآخر

تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا والموت أكرم نزال على الحرم

وقد ولدت امرأة أعرابي أنثى، فهجرها لشدة غيظه من ولادتها أنثى فقالت

ما لأبي حمزة لا يأتينا يظل بالبيت الذي يلينا غضبان ألا نلد البنينا ليس لنا من أمرنا ما شينا وإنما نأخذ ما أعطينا

تنبيه لفظة " جعل " تأتي في اللغة العربية لأربعة معان الأول - بمعنى اعتقد. كقوله تعالى هنا

ويجعلون لله البنات

النحل 57 قال في الخلاصة وجعل اللذ كاعتقد الثاني - بمعنى صير كما تقدم في الحجر. كقوله

وجعل القمر فيهن نورا

نوح 16. قال في الخلاصة

.. والتي كصيرا وأيضا بها انصب مبتدأ وخبرا

الثالث - بمعنى خلق. كقوله

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور

الأنعام 1 أي خلق الظلمات والنور. الرابع - بمعنى شرع. كقوله

وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ثوبي فأنهض نهض الشارب السكر

قال في الخلاصة

كأنشأ السائق يحدو وطفق كذا جعلت وأخذت وعلق

وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ سبحانه ﴾ أي تنزيها له جل وعلا عما لا يليق بكماله وجلاله، وهو ما ادعوا له من البنات سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا وغيرهم كما نقله عنهم ابن كثير وغيره - على أن الآية عامة.

حتى إن ذنوب بني آدم لتهلك الجعل في جحره، والحبارى في وكرها، ونحو ذلك. لولا أن الله حليم لا يعجل بالعقوبة، ولا يؤاخذهم بظلمهم. قال مقيدة عفا الله عنه وهذا القول هو الصحيح. لما تقرر في الأصول من أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة " من " تكون نصا صريحا في العموم. وعليه فقوله " من دابة " يشمل كل ما يطلق عليه اسم الدابة نصا. وقال القرطبي في تفسيره فإن قيل فكيف يعم بالهلاك مع أن فيهم مؤمنا ليس بظالم؟ يجعل هلاك الظالم انتقاما وجزاء، وهلاك المؤمن معوضا بثواب الآخرة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٥٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٥٩٠