تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.87

قوله تعالى ﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾. إلقاؤهم إلى الله السلم هو انقيادهم له، وخضوعهم. حيث لا ينفعهم ذلك كما تقدم في قوله

فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء

النحل 28. والآيات الدالة على ذلك كثيرة. كقوله

بل هم اليوم مستسلمون

الصافات 26 وقوله

وعنت الوجوه للحي القيوم

طه 111 ونحو ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرفا من ذلك في الكلام على قوله ﴿ فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ﴾. وقوله ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ أي غاب عنهم واضمحل ما كانوا يفترونه. من أن شركاءهم تشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى. كما قال تعالى

ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله

يونس 18 الآية، وكقوله

ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى

الزمر 3. وضلال ذلك عنهم مذكور في آيات كثيرة. كقوله تعالى

وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون

يونس 30، وقوله

فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون

القصص 75. وقد قدمنا معاني " الضلال " في القرآن وفي اللغة بشواهدها.

16.88

اعلم أولا أن " صد " تستعمل في اللغة العربية استعمالين أحدهما - أن تستعمل متعدية إلى المفعول، كقوله تعالى

هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام

الفتح 25 الآية، ومضارع هذه المتعدية " يصد " بالضم على القياس، ومصدرها " الصد " على القياس أيضا. والثاني - أن تستعمل " صد " لازمة غير متعدية إلى المفعول، ومصدر هذه " الصدود " على القياس، وفي مضارعها الكسر على القياس، والضم على السماع. وعليهما القراءتان السبعيتان في قوله

إذا قومك منه يصدون

الزخرف 57 بالكسر والضم. فإذا عرفت ذلك - فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ وصدوا عن سبيل الله ﴾ محتمل لأن تكون " صد " متعدية، والمفعول محذوف لدلالة المقام عليه. على حد قوله في الخلاصة

وحذف فضلة أجز إن لم يضر كحذف ما سيق جوابا أو حصر

ومحتمل لأن تكون " صد " لازمة غير متعدية إلى المفعول، ولكن في الآية الكريمة ثلاث قرائن تدل على أن " صد " متعدية، والمفعول محذوف، أي وصدوا الناس عن سبيل الله. الأولى - أنا لو قدرنا " صد " لازمة، وأن معناها صدودهم في أنفسهم عن الإسلام - لكان ذلك تكرارا من غير فائدة مع قوله ﴿ الذين كفروا ﴾ بل معنى الآية كفروا في أنفسهم، وصدوا غيرهم عن الدين فحملوه على الكفر أيضا. القرينة الثانية - قوله تعالى ﴿ زدناهم عذابا فوق العذاب ﴾ النحل88 فإن هذه الزيادة من العذاب لأجل إضلالهم غيرهم، والعذاب المزيدة فوقه هو عذابهم على كفرهم في أنفسهم. بدليل قوله في المضلين الذين أضلوا غيرهم

أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم

النحل 25 الآية، وقوله

وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم

العنكبوت 13 الآية كما تقدم إيضاحه. القرينة الثالثة - قوله ﴿ بما كانوا يفسدون ﴾ فإنه يدل على أنهم كانوا يفسدون على غيرهم مع ضلالهم في أنفسهم، وقوله ﴿ فوق العذاب ﴾ أي الذي استحقوه بضلالهم وكفرهم. وعن ابن مسعود. أن هذا العذاب المزيد عقارب أنيابها كالنخل الطوال، وحيات مثل أعناق الإبل، وأفاعي كأنها البخاتي تضربهم. أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها! والعلم عند الله تعالى.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٦١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٦١٢