تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.57-59

قوله ﴿ ويجعلون ﴾ أي يعتقدون. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار يعتقدون أن لله بنات إناثا، وذلك أن خزاعة وكنانة كانوا يقولون الملائكة بنات الله. كما بينه تعالى بقوله

وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا

الزخرف 19 الآية. فزعموا لله الأولاد! ومع ذلك زعموا له أخس الولدين وهو الأنثى، فالإناث التي جعلوها لله يكرهونها لأنفسهم ويأنفون منها كما قال تعالى عنهم ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ﴾ لأن شدة الحزن والكآبة تسود لون الوجه ﴿ وهو كظيم ﴾ أي ممتلىء حزنا وهو ساكت. وقيل ممتلىء غيظا على امرأته التي ولدت له الأنثى. ﴿ يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ﴾ أي يختفي من أصحابه من أجل سوء ما بشر به لئلا يروا ما هو فيه من الحزن والكآبة. أو لئلا يشمتوا به ويعيروه. ويحدث نفسه وينظر ﴿ أيمسكه ﴾ ، أي ما بشر به وهو الأنثى ﴿ على هون ﴾ أي هوان وذل. ﴿ أم يدسه ﴾ في التراب أي يدفن المذكور الذي هو الأنثى حيا في التراب، يعني ما كانوا يفعلون بالبنات من الوأد وهو دفن البنت حية، كما قال تعالى

وإذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت

التكوير 8-9. وأوضح جل وعلا هذه المعاني المذكورة في هذه الآيات في مواضع أخر، فبين أن جعلهم الإناث لله، أو الذكور لأنفسهم قسمة غير عادلة، وأنها من أعظم الباطل. وبين أنه لو كان متخذا ولدا سبحانه وتعالى عن ذلك! لاصطفى أحسن النصيبين. ووبخهم على أن جعلوا له أخس الولدين، وبين كذبهم في ذلك، وشدة عظم ما نسبوه إليه. كل هذا ذكره في مواضع متعددة. كقوله

ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى

النجم 21-22، وقوله

ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين مالكم كيف تحكمون

الصافات 151-154، وقوله

أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما

الإسراء 40، وقوله

أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين

الزخرف 16، وقوله

لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء سبحانه هو الله الواحد القهار

الزمر 4، وقوله

أم له البنات ولكم البنون

الطور 39 وقال جل وعلا

ويجعلون لله ما يكرهون

النحل 62، وقال

أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين

الزخرف 18، وقال

وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم

الزخرف 17. وبين شدة عظم هذا الافتراء بقوله

وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا

مريم 88-93، وقوله

إنكم لتقولون قولا عظيما

الإسراء 40 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ مبتدأ وخبر وذكر الزمخشري والفراء وغيرهما أنه يجوز أن تكون " ما " في محل نص عطفا على " البنات " أي ويجعلون لله البنات، ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون. ورد إعرابه بالنصب الزجاج، وقالالعرب تستعمل في مثل هذا ويجعلون لأنفسهم. قاله القرطبي. وقال أبو حيان " في البحر المحيط ". قال الزمخشري ويجوز في " ما " فيما يشتهون الرفع على الابتداء، والنصب على أن يكون معطوفا على " البنات " أي وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. انتهى. وهذا الذي أجازه من النصب تبع فيه الفراء والحوفي وقال أبو البقاء وقد حكاه وفيه نظر. وذهل هؤلاء عن قاعدة في النحو وهي أن الفعل الرافع لضمير الاسم المتصل لا يتعدى إلى ضميره المتصل المنصوب. فلا يجوز زيد ضربه، أي زيدا. تريد ضرب نفسه. إلا في باب ظن وأخواتها من الأفعال القلبية، أو فقد وعدم. فيجوز زيد ظنه قائما، وزيد فقده، وزيد عدمه. والضمير المجرور بالحرف كالمنصوب المتصل. فلا يجوز زيد غضب عليه، تريد غضب على نفسه. فعلى هذا الذي تقرر لا يجوز النصب. إذ يكون التقدير ويجعلون لهم ما يشتهون. فالواو ضمير مرفوع " ولهم " مجرور باللام. فهو نظير زيد غضب عليه اه. والبشارة تطلق في العربية على الخبر بما يسر، وبما يسوء. ومن إطلاقها على الخبر بما يسوء قوله هنا ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ﴾ الآية، ونظيره قوله تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٥٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٥٨٩