إن كيد الشيطان كان ضعيفا
النساء 76. وإنما تسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم. ذكر هذا الجواب بوجهيه العلامة ابن القيم رحمه الله. وقد بينا هذا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب.
16.101
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه إذا بدل آية مكان آية، بأن نسخ آية أو أنساها، وأتى بخير منها أو مثلها - أن الكفار يجعلون ذلك سببا للطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم. بادعاء أنه كاذب على الله، مفتر عليه زعما منهم أن نسخ الآية بالآية يلزمه البداء، وهو الرأي المجدد، وأن ذلك مستحيل على الله. فيفهم عندهم من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم مفتر على الله، زاعمين أنه لو كان من الله لأقره وأثبته، ولم يطرأ له فيه رأي متجدد حتى ينسخه. والدليل على أن قوله ﴿ بدلنآ آية مكان آية ﴾ معناه نسخنا آية وأنسيناها - قوله تعالى
ما ننسخ من آية أو ننسها
البقرة 106، وقوله
سنقرئك فلا تنسى إلا ما شآء الله
الأعلى 6-7 أي أن تنساه. والدليل على أنه إن نسخ آية أو أنساها، لا بد أن يأتي ببدل خير منها أو مثلها - قوله تعالى
نأت بخير منها أو مثلها
البقرة 106، وقوله هنا ﴿ بدلنآ آية مكان آية ﴾. وما زعمه المشركون واليهود من أن النسخ مستحيل على الله لأنه يلزمه البداء، وهو الرأي المتجدد - ظاهر السقوط، واضح البطلان لكل عاقل. لأن النسخ لا يلزمه البداء ألبتة، بل الله جل وعلا يشرع الحكم وهو عالم بأن مصلحته ستنقضي في الوقت المعين، وأنه عند ذلك الوقت ينسخ ذلك الحكم ويبدله بالحكم الجديد الذي فيه المصلحة. فإذا جاء ذلك الوقت المعين أنجز جل وعلا ما كان في علمه السابق من نسخ ذلك الحكم، الذي زالت مصلحته بذلك الحكم الجديد الذي فيه المصلحة. كما أن حدوث المرض بعد الصحة وعكسه، وحدوث الغنى بعد الفقر وعكسه، ونحو ذلك لا يلزم فيه البداء، لأن الله عالم بأن حكمته الإلهية تقتضي ذلك التغيير في وقته المعين له، على وفق ما سبق في العلم الأزلي كما هو واضح. وقد أشار جل وعلا إلى علمه بزوال المصلحة من المنسوخ، وتمحضها في الناسخ بقوله هنا ﴿ والله أعلم بما ينزل ﴾ وقوله
نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير
البقرة 106، وقوله
سنقرئك فلا تنسى إلا ما شآء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى
الأعلى 6-7 فقوله ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ بعد قوله ﴿ إلا ما شآء الله ﴾ يدل عى أنه أعلم بما ينزل. فهو عالم بمصلحة الإنساء، ومصلحة تبديل الجديد من الأول المنسي. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى - لا خلاف بين المسلمين في جواز النسخ عقلا وشرعا، ولا في وقوعه فعلا، ومن ذكر عنه خلاف في ذلك كأبي مسلم الأصفهاني - فإنه إنما يعني أن النسخ تخصيص لزمن الحكم بالخطاب الجديد.
لأن ظاهر الخطاب الأول استمرار الحكم في جميع الزمن. والخطاب الثاني دل على تخصيص الحكم الأول بالزمن الذي قبل النسخ. فليس النسخ عنده رفعا للحكم الأول. وقد أشار إليه في مراقي السعود بقوله في تعريف النسخ
رفع لحكم أو بيان الزمن بمحكم القرآن أو بالسنن
وإنما خالف فيه اليهود وبعض المشركين، زاعمين أنه يلزمه البداء كما بينا. ومن هنا قالت اليهود إن شريعة موسى يستحيل نسخها. المسألة الثانية - لا يصح نسخ حكم شرعي إلا بوحي من كتاب أو سنة. لأن الله جل وعلا يقول
وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير هذآ أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم
يونس 15 - وبه تعلم أن النسخ بمجرد العقل ممنوع، وكذلك لا نسخ بالإجماع. لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لأنه ما دام حيا فالعبرة بقوله وفعله وتقريره صلى الله عليه وسلم، ولا حجة معه في قول الأمة، لأن اتباعه فرض على كل أحد ولذا لا بد في تعريف الإجماع من التقييد بكونه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، كما قال صاحب المراقي في تعريف الإجماع