تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.97

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كل عامل سواء كان ذكرا أو أنثى عمل عملا صالحا فإنه جل وعلا يقسم ليحيينه حياة طيبة، وليجزينه أجره بأحسن ما كان يعمل. اعلم أولا - أن القرآن العظيم دل على أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور الأول - موافقته لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. لأن الله يقول

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا

الحشر 7. الثاني - أن يكون خالصا لله تعالى. لأن الله جل وعلا يقول

ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين

البينة 5،

قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه

الزمر 14-15. الثالث - أن يكون مبنيا على أساس العقيدة الصحيحة. لأن الله يقول

من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن

النحل 96 فقيد ذلك بالإيمان، ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح. وقد أوضح جل وعلا هذا المفهوم في آيات كثيرة، كقوله في عمل غير المؤمن

وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا

الفرقان 23، وقوله

أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون

هود 16، وقوله

أعمالهم كسراب بقيعة

النور 39 الآية، وقوله

أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف

إبراهيم 18،إلى غير ذلك من الآيات. واختلف العلماء في المراد بالحياة الطيبة في هذه الآية الكريمة. فقال قوم لا تطيب الحياة إلا في الجنة، فهذه الحياة الطيبة في الجنة. لأن الحياة الدنيا لا تخلو من المصائب والأكدار، والأمراض والآلام والأحزان، ونحو ذلك وقال تعالى

وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون

العنكبوت 64. والمراد بالحيوان الحياة. وقال بعض العلماء الحياة الطيبة في هذه الآية الكريمة في الدنيا، وذلك بأن يوفق الله عبده إلى ما يرضيه، ويرزقه العافية والرزق الحلال. كما قال تعالى

ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار

البقرة 201. قال مقيدة عفا الله عنه وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية حياته في الدنيا حياة طيبة. وتلك القرينة هي أننا لو قدرنا أن المراد بالحياة الطيبة حياته في الجنة في قوله ﴿ فلنحيينه حياة طيبة ﴾ صار قوله ﴿ ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ تكرارا معه. لأن تلك الحياة الطيبة هي أجر عملهم. بخلاف ما لو قدرنا أنها في الحياة الدنيا. فإنه يصير المعنى فلنحيينه في الدنيا حياة طيبة، ولنجزينه في الآخرة بأحسن ما كان يعمل، وهو واضح. وهذا المعنى الذي دل عليه القرآن تؤيده السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم.

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الاية الكريمة والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت. وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه فسرها بالقناعة، وكذا قال ابن عباس وعكرمة، ووهب بن منبه - إلى أن قال - وقال الضحاك هي الرزق الحلال، والعبادة في الدنيا. وقال الضحاك أيضا - هي العمل بالطاعة والانشراح بها. والصحيح - أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا عبد الله ابن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

" قد أفلح من أسلم ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه "

ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقرى به. وروى الترمذي والنسائي من حديث أبي هانيء. عن أبي على الجنبي، عن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

" قد أفلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به "

وقال الترمذي هذا حديث صحيح. وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد، حدثنا همام عن يحيى عن قتادة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٦٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٦٢١