تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" بعثت أنا والساعة كهاتين "

- وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها اه محل الغرض من كلام القرطبي، وهو يدل على أن المراد بقوله ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ أي لا تظنوه واقعا الآن عن عجل، بل هو متأخر إلى وقته المحدد له عند الله تعالى.

وقول الضحاك ومن وافقه إن معنى ﴿ أتى أمر الله ﴾ أي فرائضه وحدوده - قول مردود ولا وجه له، وقد رده الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره قائلا إنه لم يبلغنا أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استعجل فرائض قبل أن تفرض عليهم، فيقال لهم من أجل ذلك قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها. أما مستعجلو العذاب من المشركين فقد كانوا كثيرا اه. والظاهر المتبادر من الآية الكريمة - أنها تهديد للكفار باقتراب العذاب يوم القيامة مع نهيهم عن استعجاله. قال ابن جرير في تفسيره وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال هو تهديد من الله لأهل الكفر به وبرسوله، وإعلام منه لهم قرب العذاب منهم والهلاك، وذلك أنه عقب ذلك بقوله سبحانه وتعالى

عما يشركون

النحل 1 فدل بذلك على تقريعه المشركين به ووعيده لهم اه.

16.2

قوله تعالى ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده ﴾. أظهر الأقوال في معنى الروح في هذه الآية الكريمة أن المراد بها الوحي. لأن الوحي به حياة الأرواح، كما أن الغذاء به حياة الأجسام. ويدل لهذا قوله تعالى

وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان

الشورى 52، وقوله

رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

غافر 15-16. ومما يدل على أن المراد بالروح الوحي إتيانه بعد قوله ﴿ ينزل الملائكة بالروح ﴾ بقوله ﴿ أن أنذروا ﴾ النحل2 لأن الإنذار إنما يكون بالوحي، بدليل قوله

قل إنمآ أنذركم بالوحي

الأنبياء 45 الآية وكذلك إتيانه بعد قوله

يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده

غافر 15 بقوله

لينذر يوم التلاق

غافر 15 الآية. لأن الإنذار إنما يكون بالوحي أيضا. وقرأ هذا الحرف ابن كثير وأبو عمرو " ينزل " بضم الياء وإسكان النون وتخفيف الزاي. والباقون بالضم والتشديد. ولفظة " من " في الآية تبعيضية، أو لبيان الجنس. وقوله ﴿ على من يشآء من عباده ﴾ النحل2 أي ينزل الوحي على من اختاره وعلمه أهلا لذلك. كما بينه تعالى بقوله

الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس

الحج 75، وقوله

الله أعلم حيث يجعل رسالته

الأنعام 124، وقوله

يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده

غافر 15، وقوله

بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشآء من عباده

البقرة 90. وهذه الآيات وأمثالها رد على الكفار في قولهم

لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم

الزخرف 31. قوله تعالى ﴿ أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾. الأظهر في " أن " من قوله ﴿ أن أنذروا ﴾ أنها هي المفسرة. لأن إنزال الملائكة بالروح - أي بالوحي - فيه معنى القول دون حروفه. فيكون المعنى أن الوحي الذي أنزلت به الملائكة مفسر بإنذار الناس " بلا إله إلا الله " وأمرهم بتقواه. وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله

ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون

الأنبياء 25، وقوله

ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت

النحل 36، وقوله

واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون

الزخرف 45، وقوله

قل إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون

الأنبياء 108 إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا معنى الإنذار، ومعنى التقوى.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٥٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٥٤٨