تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.14

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه سخر البحر. أي لله لعباده حتى تمكنوا من ركوبه، والانتفاع بما فيه من الصيد والحلية، وبلوغ الأقطار التي تحول دونها البحار، للحصول على أرباح التجارات ونحو ذلك. فتسخير البحر للركوب من أعظم آيات الله. كما بينه في مواضع آخر. كقوله

وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون

يس 41-42، وقوله

الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون

الجاثية 12 إلى غير ذلك من الآيات. وذكر في هذه الآية أربع نعم من نعمه على خلقه بتسخير البحر لهم الأولى قوله ﴿ لتأكلوا منه لحما طريا ﴾ وكرر الامتنان بهذه النعمة في القرآن. كقوله

أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة

المائدة 96 الآية، وقوله

ومن كل تأكلون لحما طريا

فاطر 12 الآية. الثانية - قوله ﴿ وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ﴾ وكرر الامتنان بهذه النعمة أيضا في القرآن. كقوله

يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان

الرحمن 22-23 واللؤلؤ والمرجان هما الحليه التي يستخرجونها من البحر للبسها، وقوله

ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها

فاطر 12. الثالثة - قوله تعالى ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ وكرر في القرآن الامتنان بشق أمواج البحر على السفن، كقوله

وخلقنا لهم من مثله ما يركبون وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون

يس 42-43 الآية، وقوله

وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره

إبراهيم 32. الرابعة - الابتغاء من فضله بأرباح التجارات بواسطة الحمل على السفن المذكور في قوله هنا ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ أي كأرباح التجارات. وكرر في القرآن الامتنان بهذه النعمة أيضا. كقوله في " سورة البقرة "

والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس

البقرة 164، وقوله في " فاطر "

وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون

فاطر 12، وقوله في " الجاثية "

الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون

الجاثية 12 إلى غير ذلك من الآيات. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى - لا مفهوم مخالفة لقوله ﴿ لحما طريا ﴾ فلا يقال يفهم من التقييد بكونه طريا أن اليابس كالقديد مما في البحر لا يجوز أكله. بل يجوز أكل القديد مما في البحر بإجماع العلماء. وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون النص مسوقا للامتنان. فإنه إنما قيد بالطري لأنه أحسن من غيره، فالامتنان به أتم. وقد أشار إلى هذا صاحب مراقي السعود بقوله عاطفا على موانع اعتبار مفهوم المخالفة

أو امتنان أو وفاق الواقع والجهل والتأكيد عند السامع

ومحل الشاهد قوله " أو امتنان " وقد قدمنا هذا في " سورة المائدة ".

المسألة الثانية- اعلم أن علماء المالكية قد أخذوا من هذه الآية الكريمة أن لحوم ما في البحر كلها جنس واحد. فلا يجوز التفاضل بينها في البيع، ولا بيع طريها بيابسها لأنها جنس واحد. قالوا لأن الله عبر عن جميعها بلفظ واحد، وهو قوله في هذه الآية الكريمة ﴿ وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا ﴾ وهو شامل لما في البحر كله. ومن هنا جعل علماء المالكية، للحوم أربعة أجناس لا خامس لها الأول - لحم ما في البحر كله جنس واحد، لما ذكرنا. الثاني - لحوم ذوات الأربع من الأنعام والوحوش كلها عندهم جنس واحد. قالوا لأن الله فرق بين أسمائها في حياتها فقال

من الضأن اثنين ومن المعز اثنين

الأنعام 143، ثم قال

ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين

الأنعام 144 أما بعد ذبحها فقد عبر عنها باسم واحد فقال

أحلت لكم بهيمة الأنعام

المائدة 1 فجمعها بلحم واحد. وقال كثير من العلماء يدخل في بهيمة الأنعام الوحش كالظباء. الثالث - لحوم الطير بجميع أنواعها جنس واحد. لقوله تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٥٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٥٥٨