16.89
قوله تعالى ﴿ ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلآء ونزلنا ﴾. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يوم القيامة يبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم يشهد عليهم بما أجابوا به رسولهم، وأنه يأتي بنبينا صلى الله عليه وسلم شاهدا علينا. وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله
فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض
النساء 41-42 الآية، وكقوله
يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم
المائدة 109، وكقوله
فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين
الأعراف 6، إلى غير ذلك من الآيات. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما
" عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأ علي قال فقلت يا رسول الله، أأقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال " نعم. إني أحب أن أسمعه من غيري " فقرأت " سورة النساء " حتى أتيت إلى هذه الآية ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ﴾ النساء41 فقال " حسبك الآن " فإذا عيناه تذرفان اه "
وقوله تعالى ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ﴾. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه نزل على رسوله هذا الكتاب العظيم تبيانا لكل شيء. وبين ذلك في غير هذا الموضع، كقوله
ما فرطنا في الكتاب من شيء
الأنعام 38 على القول بأن المراد بالكتاب فيها القرآن. أما على القول بأنه اللوح المحفوظ. فلا بيان بالآية. وعلى كل حال فلا شك أن القرآن فيه بيان كل شيء. والسنة كلها تدخل في آية واحدة منه. وهي قوله تعالى
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
الحشر 7. وقال السيوطي في " الإكليل في استنباط التنزيل " قال تعالى ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ﴾ وقال
ما فرطنا في الكتاب من شيء
الأنعام 38، وقال صلى الله عليه وسلم
" ستكون فتنة ". قيل وما المخرج منها؟ قال " كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم "
أخرجه الترمذي، وغيره وقال سعيد بن منصور في سننه حدثنا خديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود قال من أراد العلم فعليه بالقرآن. فإن فيه خبر الأولين والآخرين. قال البيهقي أراد به أصول العلم. وقال الحسن البصري أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة التوارة، والإنجيل، والزبور، والفرقان. ثم أودع علوم الثلاثة الفرقان، ثم أودع علوم القرآن المفصل، ثم أودع علوم المفصل فاتحة الكتاب.
فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير الكتب المنزلة. أخرجه البيهقي " في الشعب ". وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة، وجميع شرح السنة شرح للقرآن. وقال بعض السلف ما سمعت حديثا إلا التمست له آية من كتاب الله. وقال سعيد بن جبير ما بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله. أخرجه ابن أبي حاتم. وقال ابن مسعود إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب الله. أخرجه ابن أبي حاتم. وقال ابن مسعود أيضا أنزل في القرآن كل علم، وبين لنا فيه كل شيء، ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن. أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" إن الله لو أغفل شيئا لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة ".
وقال الشافعي أيضا جميع ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن. قلت ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم
" إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه "
رواه بهذا اللفظ الطبراني في الأوسط من حديث عائشة. وقال الشافعي أيضا ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها. فإن قيل من الأحكام ما ثبت ابتداء بالسنة؟ قلنا ذلك مأخوذ من كتاب الله في الحقيقة. لأن كتاب الله أوجب علينا اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وفرض علينا الأخذ بقوله. وقال الشافعي مرة بمكة سلوني عما شئتم، أخبركم عنه من كتاب الله. فقيل له ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى