16.10-11
قوله تعالى ﴿ هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ﴾. تقدم الكلام على ما يوضح معنى هذه الآية الكريمة في سورة الحجر. وقوله جل وعلا ﴿ ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾ النحل 10-11. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن إنباته بالماء ما يأكله الناس من الحبوب والثمار، وما تأكله المواشي من المرعى - من أعظم نعمه على بني آدم، ومن أوضح آياته الدالة على أنه المستحق لأن يعبد وحده. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله
أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون
السجدة 27 وقوله
الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى
طه 54، وقوله
والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها مآءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم
النازعات 30-33، وقوله
ونزلنا من السمآء مآء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد
ق 9-11 الآية وقوله
أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون
النمل 60 وقوله
وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا
النبأ 14-16 والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. تنبيهان الأول - اعلم أن النظر في هذه الآيات واجب، لما تقرر في الأصول " أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب إلا لدليل يصرفها عن الوجوب ". والله جل وعلا أمر الإنسان أن ينظر إلى طعامه الذي به حياته، ويفكر في الماء الذي هو سبب إنبات حبه - من أنزله!؟ ثم بعد إنزال الماء وري الأرض من يقدر على شق الأرض عن النبات وإخراجه منها!؟ ثم من يقدر على إخراج الحب من ذلك النبات!؟ ثم من يقدر على تنميته حتى يصير صالحا للأكل!؟
انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه
الأنعام 99 الآية. وذلك في قوله تعالى
فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا المآء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدآئق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم
عبس 24-32. وكذلك يجب على الإنسان النظر في الشيء الذي خلق منه، لقوله تعالى
فلينظر الإنسان مم خلق
الطارق 5 وظاهر القرآن أن النظر في ذلك واجب، ولا دليل يصرف عن ذلك. التنبيه الثاني اعلم أنه جل وعلا أشار في هذه الآيات من أول سورة " النحل " إلى براهين البعث الثلاثة، التي قدمنا أن القرآن العظيم يكثر فيه الاستدلال بها على البعث.
الأول - خلق السموات والأرض المذكور في قوله
خلق السماوات والأرض بالحق
النحل 3 الآية. والاستدلال بذلك على البعث كثير في القرآن، كقوله
أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها رفع سمكها
النازعات 27-28 إلى قوله
متاعا لكم ولأنعامكم
النازعات 33، وقوله
أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى
الأحقاف 33، وقوله
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس
غافر 57 الآية، وقوله
أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم
يس 81 إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم. البرهان الثاني- خلق الإنسان أولا المذكور في قوله
خلق الإنسان من نطفة
النحل 4 لأن من اخترع قادر على الإعادة ثانيا. وهذا يكثر الاستدلال به أيضا على البعث، كقوله
قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم
يس 79، وقوله
وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون
الروم 27 الآية، وقوله
يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب
الحج 5، وقوله
أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد