فإذا أباحت السنة خاتم الفضة دل على إباحة ما في معناه، وما هو أولى منه بالإباحة، وما لم يكن كذلك فيحتاج إلى نظر في تحليله وتحريمه، والتحريم يفتقر إلى دليل، والأصل عدمه. ونصره صاحب الفروع ورد جميع ما استدل به الأصحاب. انتهى كلام صاحب الإنصاف. الأمر الثاني- حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك. قال أبو داود في سننه حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد عن أسيد بن ابي أسيد البراد عن نافع بن عياش عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
" من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقا من نار فليطوقه طوقا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سوارا من نار فليسوره سوارا من ذهب، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها "
هذا لفظ أبي داود. قال مقيده عفا الله عنه الذي يظهر لي والله أعلم أن هذا الحديث لا دليل فيه على إباحة لبس الفضة للرجال. ومن استدل بهذا الحديث على جواز لبس الرجال للفضة فقط غلط. بل معنى الحديث أن الذهب كان حراما على النساء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجال عن تحلية نسائهم بالذهب، وقال لهم
" العبوا بالفضة "
أي حلو نسائكم منها بما شئتم. ثم بعد ذلك نسخ تحريم الذهب على النساء. والدليل على هذا الذي ذكرنا أمور الأول - أن الحديث ليس في خطاب الرجال بما يلبسونه بأنفسهم. بل بما يحلون به أحبابهم، والمراد نساؤهم. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه " من أحب أن يحلق حبيبه " ، " أن يطوق حبيبه " ، " أن يسور حبيبه " ولم يقل من أحب أن يحلق نفسه، ولا أن يطوق نفسه، ولا أن يسور نفسه. فدل ذلك دلالة واضحة لا لبس فيها على أن المراد بقوله " فالعبوا بها " أي حلوا بها أحبابكم كيف شئتم. لارتباط آخر الكلام بأوله. الأمر الثاني - أنه ليس من عادة الرجال أن يلبسوا حلق الذهب، ولا أن يطوقوا بالذهب، ولا يتسوروا به في الغالب. فدل ذلك على أن المراد بذلك من شأنه لبس الحلقة والطوق والسوار من الذهب وهن النساء بلا شك. الأمر الثالث - أن أبا داود رحمه الله قال بعد الحديث المذكور متصلا به حدثنا مسدد ثنا أبو عوانة عن منصور عن ربعي بن خراش عن امرأته عن أخت لحذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
" يا معشر النساء، أما لكن في الفضة ما تحلين به، أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به ".
حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبان بن زيد يزيد العطار ثنا يحيى أن محمد بن عمرو الأنصاري حدثه أن أسماء بنت يزيد حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
" أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت في عنقها مثله من النار يوم القيامة. وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصا من ذهب جعل في أذنها مثله من النار يوم القيامة ".
فهذان الحديثان يدلان على أن المراد بالحديث الأول منع الذهب للنساء، وأن قوله " فالعبوا بها ". معناه فحلوا نسائكم من الفضة بما شئتم كما هو صريح في الحديثين الأخيرين. وهذا واضح جدا كما ترى. ويدل له أن الحافظ البيهقي رحمه الله ذكر الأحاديث الثلاثة المذكورة التي من جملتها " وعليكم بالفضة فالعبوا بها " في سياق الأحاديث الدالة على تحريم الذهب على النساء أولا دون الفضة. ثم بعد ذلك ذكر الأحاديث الدالة على النسخ ثم قال واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة. والله أعلم انتهى. ومن جملة تلك الأحاديث المذكورة حديث " فالعبوا بها " وهو واضح جدا فيما ذكرنا. فإن قيل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور " يحلق حبيبه " ، " أن يطوق حبيبه " ، " أن يسور حبيبه " يدل على أن المراد ذكر. لأنه لو أراد الأنثى لقال حبيبته بتاء الفرق بين الذكر والأنثى. فالجواب - أن إطلاق الحبيب على الأنثى باعتبار إرادة الشخص الحبيب مستفيض في كلام العرب لا إشكال فيه. ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه