تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم حلية من عند النجاشي أهداها له، فيها خاتم من ذهب فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معرضا عنه أو ببعض أصابعه. ثم دعا أمامة بنت أبي العاصي بنت ابنته زينب فقال " تحلي هذا يا بنية "

وذكر منها أيضا حديث بنت أسعد بن زرارة رضي الله عنه أنها كانت هي وأختاها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم. لأن أباهن أوصى إليه بهن، قالت فكان صلى الله عليه وسلم يحلينا الذهب واللؤلؤ وفي رواية " يحلينا رعاثا من ذهب ولؤلؤ " وفي رواية " يحلينا التبر واللؤلؤ " ثم قال البيهقي قال أبو عبيد قال أبو عمرو وواحد الرعاث رعثة ورعثة وهو القرط. ثم قال البيهقي فهذه الأخبار وما ورد في معناها تدل على إباحة التحلي بالذهب للنساء، واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة. وقد قال بعض أهل العلم إن موافقة الإجماع لخبر الآحاد تصيره قطعيا لاعتضاده بالقطعي وهو الإجماع. وقد تقدم ذلك في " سورة التوبة " والله اعلم. فتحصل أنه لا شك في تحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، وإباحته للنساء. المسألة السادسة - أما لبس الرجال خواتم الفضة فهو جائز بلا شك، وأدلته معروفة في السنة، ومن أوضحها خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضة المنقوش فيه " محمد رسول الله " الذي كان يلبسه بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. حتى سقط في بئر أريس كما هو ثابت في الصحيحين. أما لبس الرجال لغير الخاتم من الفضة ففيه خلاف بين العلماء، وسنوضح هذه المسألة إن شاء الله. اعلم أولا- أن الرجل إذا لبس من الفضة مثل ما يلبسه النساء من الحلي كالخلخال والسوار والقرط والقلادة ونحو ذلك، فهذا لا ينبغي أن يختلف في منعه. لأنه تشبه بالنساء، ومن تشبه بهن من الرجال فهو ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما مر آنفا. وكل من كان ملعونا على لسانه صلى الله عليه وسلم فهو ملعون في كتاب الله، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه.

لأن الله يقول

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا

الحشر 7. وأما غير ذلك كجعل الرجل الفضة في الثوب، واستعمال الرجل شيئا محلى بأحد النقدين فجماهير العلماء منهم الأئمة الأربعة على أن ذلك ممنوع، مع الإجماع على جواز تختم الرجل بخاتم الفضة. والاختلاف في أشياء كالمنطقة وآلة الحرب ونحوه والمصحف. والاتفاق على جعل الأنف من الذهب وربط الأسنان بالذهب والفضة. وسنذكر بعض النصوص من فروع المذاهب الأربعة في ذلك. قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره الذي قال في ترجمته مبينا لما به الفتوى ما نصه وحرم استعمال ذكر محلى ولو منطقة وآلة حرب. إلا السيف والأنف، وربط سن مطلقا، وخاتم فضة. لا ما بعضه ذهب ولو قل، وإناء نقد واقتناؤه وإن لامرأة. وفي المغشي والمموه والمضبب وذي الحلقة وإناء الجوهر قولان. وجاز للمرأة الملبوس مطلقا ولو نعلا لا كسرير. انتهى الغرض من كلام خليل مع اختلاف في بعض المسائل التي ذكرها عند المالكية. وقال صاحب تبيين الحقائق في مذهب الإمام أبي حنيفة ما نصه ولا يتحلى الرجل بالذهب والفضة إلا بالخاتم والمنطقة وحلية السيف من الفضة اه. وقال النووي في شرح المهذب في مذهب الشافعي " فصل فيما يحل ويحرم من الحلي " فالذهب أصله على التحريم في حق الرجال، وعلى الإباحة للنساء- إلا أن قال وأما الفضة فيجوز للرجل التختم، بها وهل له ما سوى الخاتم من حلي الفضة كالدملج والسوار والطوق والتاج. فيه وجهان. قطع الجمهور بالتحريم. انتهى محل الغرض من كلام النووي. وقال ابن قدامة في المقنع في مذهب الإمام أحمد ويباح للرجال من الفضة الخاتم، وفي حلية المنطقة روايتان، وعلى قياسها الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل. ومن الذهب قبيعة السيف. ويباح للنساء من الذهب والفضة كل ما جرت عادتهن بلبسه قل أو كثر. انتهى محل الغرض من المقنع. فقد ظهر من هذه النقول أن الأئمة الأربعة في الجملة متفقون على منع استعمال المحلى بالذهب أو الفضة من ثوب أو آلة أو غير ذلك إلا في أشياء استثنوها على اختلاف بينهم في بعضها. وقال بعض العلماء لا يمنع لبس شيء من الفضة. واستدل من قال بهذا بأمرين أحدهما - أنها لم يثبت فيها تحريم. قال صاحب الإنصاف في شرح قول صاحب المقنع وعلى قياسها الجوشن والخوذة الخ ما نصه وقال صاحب الفروع فيه ولا أعرف على تحريم الفضة نصا عن أحمد. وكلام شيخنا يدل على إباحة لبسها للرجال إلا ما دل الشرع على تحريمه - انتهى. وقال الشيخ تقي الدين أيضا لبس الفضة إذا لم يكن فيه لفظ عام لم يكن لأحد أن يحرم منه إلا ما قام الدليل الشرعي على تحريمه.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٥٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٥٦٣