تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لأن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى أن يباع حي بميت "

واختار القاضي جوازه وللشافعي فيه قولان. واحتج من منعه بعموم الأخبار، وبأن اللحم كله جنس واحد ومن أجازه قال مال الربا بيع بغير أصله ولا جنسه، فجاز كما لو باعه بالأثمان. وإن باعه بحيوان غير مأكول اللحم جاز في ظاهر قول أصحابنا، وهو قول عامة الفقهاء - انتهى كلام صاحب المغني - قال مقيدة عفا الله عنه قد عرفت مما تقدم أن بعض العلماء قال إن اللحم كله جنس واحد.

وبعضهم قال إن اللحوم أجناس، فعلى أن اللحم جنس واحد - فمنع بيع الحيوان باللحم هو الظاهر. وعلى أن اللحوم أجناس مختلفة - فبيع اللحم بحيوان من غير جنسه الظاهر فيه الجواز. لقوله صلى الله عليه وسلم

" فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم "

والعلم عند الله تعالى. تنبيه اشترط المالكية في منع بيع الحيوان باللحم من جنسه ألا يكون اللحم مطبوخا. فإن كان مطبوخا جاز عندهم بيعه بالحيوان من جنسه، وهو معنى قول خليل في مختصره. وفسد منهي عنه إلا بدليل كحيوان بلحم جنسه إن لم يطبخ. واحتجوا لذلك بأن الطبخ ينقل اللحم عن جنسه فيجوز التفاضل بينه وبين اللحم الذي لم يطبخ. فبيعه بالحيوان من باب أولى - هكذا يقولون والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة - اعلم أن ظاهر هذه الآية الكريمة يدل على أنه يجوز للرجل أن يلبس الثوب المكلل باللؤلؤ والمرجان. لأن الله جل وعلا قال فيها في معرض الامتنان العام على خلقه عاطفا على الأكل

وتستخرجوا منه حلية تلبسونها

النحل 14 وهذا الخطاب خطاب الذكور كما هو معروف. ونظير ذلك قوله تعالى في سورة فاطر

ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها

فاطر 12 قال القرطبي في تفسيره امتن الله سبحانه على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنما حرم تعالى على الرجال الذهب والحرير. وقال صاحب الإنصاف يجوز للرجل والمرأة التحلي بالجوهر ونحوه، وهو الصحيح من المذهب وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز للرجل أن يلبس الثوب المكلل باللؤلؤ مثلا، ولا أعلم للتحريم مستندا إلى عموم الأحاديث الواردة بالزجر البالغ عن تشبه الرجال بالنساء، كالعكس!قال البخاري في صحيحه " باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال " حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن قتادة عن عكرمة

" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبيهن من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال "

فهذا الحديث نص صريح في أن تشبه الرجال بالنساء حرام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلعن أحدا إلا على ارتكاب حرام شديد الحرمة. ولا شك أن الرجل إذا لبس اللؤلؤ والمرجان فقد تشبه بالنساء. فإن قيل يجب تقديم الآية على هذا الحديث، وما جرى مجراه من الأحاديث من وجهين الأول - أن الآية نص متواتر، والحديث المذكور خبر آحاد، والمتواتر مقدم على الآحاد. الثاني - أن الحديث عام في كل أنواع التشبه بالنساء، والآية خاصة في إباحة الحلية المستخرجة من البحر، والخاص مقدم على العام؟ فالجواب أنا لم نر من تعرض لهذا. والذي يظهر لنا والله تعالى أعلم أن الآية الكريمة وإن كانت أقوى سندا وأخص في محل النزاع فإن الحديث أقوى دلالة على محل النزاع منها.

وقوة الدلالة في نص صالح للاحتجاج على محل النزاع أرجح من قوة السند. لأن قوله ﴿ وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ﴾ يحتمل معناه احتمالا قويا أن وجه الامتنان به أن نساءهم يتجملن لهم به، فيكون تلذذهم وتمتعهم بذلك الجمال والزينة الناشىء عن تلك الحلية من نعم الله عليهم. وإسناد اللباس إليهم لنفعهم به، وتلذذهم بلبس أزواجهم له. بخلاف الحديث فهو نص صريح غير محتمل في لعن من تشبه بالنساء. ولا شك أن المتحلي باللؤلؤ مثلا متشبه بهن. فالحديث يتناوله بلا شك. وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث المذكور، واستدل به على أنه يحرم على الرجل لبس الثوب المكلل باللؤلؤ، وهو واضح، لورود علامات التحريم وهو لعن من فعل ذلك - وأما قول الشافعي ولا أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا لأنه من زي النساء فليس مخالفا لذلك. لأن مراده لم يرد في النهي عنه بخصوصه شيء. المسالة الخامسة - لا يخفى أن الفضة والذهب يمنع الشرب في آنيتهما مطلقا، ولا يخفى أيضا أنه يجوز لبس الذهب والحرير للنساء ويمنع للرجال. وهذا مما لا خلاف فيه، لكثرة النصوص الصحيحة المصرحة به عن النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين على ذلك، ومن شذ فهو محجوج بالنصوص الصريحة وإجماع من يعتد به من المسلمين على ذلك. وسنذكر طرفا قليلا من النصوص الكثيرة الواردة في ذلك. أما الشرب في آنيتهما - فقد أخرج الشيخان والإمام أحمد وأصحاب السنن عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٥٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٥٦١