تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه

[الكهف: 50] فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، ولأن له ذرية، ولا ذرية للملائكة.

قال في الكشاف: إنما تناوله الأمر، وهو للملائكة خاصة، لأن إبليس كان في صحبتهم، وكان يعبد الله عبادتهم، فلما أمروا بالسجود لآدم والتواضع له كرامة له، كان الجني الذي معهم أجدر بأن يتواضع. والقول الأول هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء. وصححه البغوي. وأجابوا عن قوله تعالى:

إلا إبليس كان من الجن

[الجن: 50] أي: من الملائكة الذين هم خزنة الجنة.

قال ابن القيم: الصواب التفصيل في هذه المسألة، وأن القولين في الحقيقة قول وحد، فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله. كان أصله من نار، وأصل الملائكة من نور، فالنافي كونه من الملائكة، والمثبت، لم يتواردا على محل واحد. وكذلك قال الشيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في الفتاوي المصرية: وقيل: إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار، سموا: " جنا " ، لاستتارهم عن الأعين، فإبليس كان منهم. والدليل على ذلك قوله تعالى:

وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا

[الصافات: 158] وهو قولهم: الملائكة بنات الله. ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية.

سئل الشعبي: هل لإبليس زوجة؟ قال: ذلك عرس لم أشهده! قال: ثم قرأت هذه الآية، فعلمت أنه لا يكون له ذرية إلا من زوجة. فقلت: نعم. وقال قوم: ليس له ذرية ولا أولاد، وذريته أعوانه من الشياطين.

الرابع: في قوله تعالى: ﴿ وكان من الكفرين ﴾ قولان: أحدهما: أنه وقت العبادة كان منافقا.

والثاني: أنه كان مؤمنا ثم كفر، وهذا قول الأكثرين. فقيل في معنى الآية: ﴿ وكان من الكفرين ﴾ في علم الله، أي كان عالما في الأزل أنه سيكفر. والذي عليه الأكثرون أن إبليس أول كافر بالله. أو يقال: معنى الآية أنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك.

واختلف الناس بأي سبب كفر إبليس، لعنه لله. فقالت الخوارج: إنما كفر بمعصية الله، وكل معصية كفر. وهذا قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. وقال آخرون: كفر بترك السجود لآدم ومخالفته أمر الله. وقال آخرون: كفر لأنه خالف الأمر الشفاهي من الله، فإن الله خاطب الملائكة وأمرهم بالسجود، ومخالفة الأمر الشفاهي أشد قبحا. وقال جمهور الناس: كفر إبليس لأنه أبى السجود واستكبر وعاند وطعن واعتقد أنه محق في تمرده، واستدل ب

أنا خير منه

[الأعراف: 12] كما يأتي، فكأنه ترك السجود لآدم، تسفيها لأمر الله وحكمته، وهذا الكبر عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:

" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر "

كذا في كتاب الاستعاذة للإمام مفلح الحنبلي رحمه الله تعالى.

محاسن التأويل · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٤٦