﴿ ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا ﴾ أي: لأداء الشهادة التي تحملوها أو لتحملها. وتسميتهم شهداء قبل التحميل من تنزيل المشارف منزلة الواقع ﴿ ولا تسأموا أن تكتبوه ﴾ أي: الدين ﴿ صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم ﴾ المذكور من الكتابة ﴿ أقسط ﴾ أي: أعدل ﴿ عند الله وأقوم للشهدة ﴾ أي: أعون لإقامتها إذ بها يتم الاعتماد على الحفظ ﴿ وأدنى ﴾ أي: أقرب ﴿ ألا ترتابوا ﴾ أي: لا تشكوا في جنس الدين وقدره وأجله بتشكيك أحد المتداينين.
﴿ إلا أن تكون تجرة حاضرة ﴾ أي: حالة ﴿ تديرونها ﴾ أي: تكثرون إدارتها ﴿ بينكم ﴾ فتصعب عليكم كتابتها مع قلة الحاجة إليها ﴿ فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ﴾ لأنها مناجزة فيبعد فيها التنازع والنسيان. قال أبو البقاء ﴿ تجرة ﴾ يقرأ بالرفع على أن تكون التامة و ﴿ حاضرة ﴾ صفتها. ويجوز أن تكون الناقصة واسمها ﴿ تجرة ﴾ ، و ﴿ حاضرة ﴾ صفتها، و ﴿ تديرونها ﴾ الخبر. وقرئ بالنصب على أن يكون اسم الفاعل مضمرا فيه، تقديره: إلا أن تكون المبايعة تجارة ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا ناجزا أو كالئا لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف. ويجوز أن يراد وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع. يعني التجارة الحاضرة. على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة. وعن الضحاك: هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل. كذا في الكشاف. وأخرج ابن المنذر عن جابر بن زيد أنه اشترى سوطا فأشهد وقال: قال الله: ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾.
قال أبو القاسم بن سلامة في كتابه الناسخ والمنسوخ: قد كان جماعة من التابعين يرون أنهم يشهدون في كل بيع وابتياع. فمنهم الشعبي وإبراهيم النخعي. كانوا يقولون إنا نرى أن نشهد ولو في جرزة بقل.
﴿ ولا يضآر كاتب ولا شهيد ﴾ يحتمل البناء للفاعل والمفعول. ويدل عليه أنه قرئ: " ولا يضارر " بالكسر والفتح والمعنى نهى الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما، وعن التحريف والزيادة والنقصان، أو النهي عن الضرار بهما، بأن يعجلا عن مهم.
قال الحرالي: في الإحنة تعريض بالإحسان منه للشهيد والكاتب ليجيبه لمراده، ويعينه على الائتمار لأمر بما يدفع من ضرر عطلته، واستعماله في أمر من أمور دنياه. ففي تعريضه إجازة لما يأخذه الكاتب ومن يدعى لإقامة معونة في نحوه ممن يعرض له فيما يضره التخلي عنه.
﴿ وإن تفعلوا ﴾ أي: ما نهيتم عنه من الضرار ﴿ فإنه فسوق بكم ﴾ أي: خروج بكم عن الشرع الذي نهجه الله لكم. قال الحرالي: وفي صيغة فعول تأكيد فيه وتشديد في النذارة.
﴿ واتقوا الله ﴾ أن يعذبكم بالخروج عن طاعته ﴿ ويعلمكم الله ﴾ أحكامه المتضمنة لمصالحكم ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾.
ولما كان التقدير: هذا إذا كنتم حضورا يسهل عليكم إحضار الكاتب والشاهد، عطف عليه قوله: ﴿ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهن مقبوضة فإن... ﴾.