وللدارمي أيضا وعبد بن حميد بسند حسن أيضا عن جابر رضي الله عنه قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر. فركبنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا كأنما على رؤوسنا الطير، تظلنا. فعرضت له امرأة معها صبي لها. فقالت: يا رسول الله! إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرار. فتناول الصبي فجعله بينه وبين مقدم الرحل. ثم قال: " اخسأ، عدو الله! أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثا ثم دفعه إليها.
وأخرجه الطبراني من وجه آخر. وبين أن السفر غزوة ذات الرقاع وأن ذلك كان في حرة واقم. قال جابر: فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان. فعرضت لنا المرأة ومعها صبيها ومعها كبشان تسوقهما. فقالت: يا رسول الله! اقبل مني هديتي. فوالذي بعثك بالحق! ما عاد إليه بعد. فقال: " خذوا منها واحدا، وردوا عليها الآخر ".
ورواه البغوي في شرح السنة عن يعلى بن مرة رضي الله عنه.
ثم ساق البقاعي ما جاء في الإنجيل: قال: وذلك كثير جدا. يعني ما وقع للمسيح عليه السلام من إخراج الشياطين والأرواح الخبيثة من المبتلين بذلك. وبعد أن ساق ذلك قال: وإنما كتبت هذا مع كون ما نقل عن نبينا صلى الله عليه وسلم كافيا. لأنه لا يدفع أن يكون فيه إيناس له ومصادقة تزيد في الإيمان.
وقد أجاد بيان تسلط الأرواح الخبيثة الإمام شمس الدين ابن القيم في زاد المعاد وذكر علاج دفعها فقال عليه الرحمة:
فصل
في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصرع
أخرجا في الصحيحين من حديث عطاء بن أبي رباح قال:
" قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء. أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي. فقال: " إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك ". فقالت: أصبر "
قالت: إني أتكشف فادع الله ألا أتكشف. فدعا لها.
قلت: الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية وصرع من الأخلاط الردية. والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع الأرواح، فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه. ويعترفون بأنه علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة. فتدافع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها. وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه. فذكر بعض علاج الصرع وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة. أما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج. وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة، فأولئك ينكرون صرع الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع. وليس معهم إلا الجهل. وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك. والحس والوجود شاهد به. وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها. وقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع المرض الإلهي. وقالوا: إنه من الأرواح، وأما جالينوس وغيره، فتأولوا عليهم هذه التسمية وقالوا: إنما سموها بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس فتضر بالجزء الإلهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ. وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها. وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده. ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء الأطباء وضعف عقولهم. وعلاج هذا النوع يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج. فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وباريها. والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان. فإن هذا نوع محاربة. والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحا في نفسه جيدا. وأن يكون الساعد قويا. فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل. فكيف إذا عدم الأمران جميعا، بكون القلب خرابا من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه، ولا سلاح له. والثاني: من جهة المعالج بأن يكونوا فيه هذان الأمران أيضا.