تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما

[غافر: 7] فأخبر أن علمه وسع كل شيء، فكذلك قوله: ﴿ وسع كرسيه السموت والأرض ﴾ قال ابن جرير: وقول ابن عباس هذا يدل على صحة ظاهر القرآن لما ذكر. ولأن أصل الكرسي العلم. ومنه قيل للصحيفة يكون فهيا علم مكتوب: كراسة. ومنه قول الراجز في صفة قانص:

حتى إذا ما احتازها تكرسا

يعني علم، ومنه يقال للعلماء: الكراسي. لأنهم المعتد عليهم. كما يقال: أوتاد الأرض. أنهم الذي تصلح بهم الأرض. ومنه قول الشاعر:

يحف بهم بيض الوجوه وعصبة

كراسي بالأحداث حين تنوب

يعني بذلك علمه بحوادث الأمور ونوازلها. وروى ابن جرير أيضا عن الحسن: أن الكرسي في الآية هو العرش.ا.ه. وأيده بعضهم بأن لفظ عرش المملكة وكرسيها مترادفان. ولذلك قال تعالى على لسان سليمان:

أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين

[النمل: 38] فالعرش والكرسي هما شيء واحد وإنما سماه هنا. كرسيا، إعلاما باسم له آخر. ﴿ ولا يؤوده ﴾ أي: لا يثقله ولا يشق عليه. يقال: آده الأمر أودا وأوودا كقعود بلغ منه المجهود والمشقة ﴿ حفظهما ﴾ أي: السماوات والأرض فلا يفتقر إلى شريك ولا ولد. وكيف يشق عليه ﴿ وهو العلي ﴾ قال ابن جرير: قال بعضهم: يعني بذلك علوه عن النظير والأشباه. وقال آخرون: معناه العلي على خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه، لأنه تعالى ذكره فوق جميع خلقه، وخلقه دونه، كما وصف به نفسه أنه على العرش، فهو عال بذلك عليهم ﴿ العظيم ﴾ أي: أعظم كل شيء بالجلال والكبرياء والقهر والقدرة والسلطان.

تنبيه

آية الكرسي هذه لها شأن عظيم وفضل كبير. وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها أعظم آية في كتاب الله وأنها مشتملة على اسم الله الأعظم، وقد ساق ما ورد في فضلها الإمام ابن كثير في تفسيره والجلال السيوطي في الدر المنثور فانظرهما.

قال الزمخشري: فإن قلت: لم فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد. قلت: لما فضلت له سورة الإخلاص من اشتمالها على توحيد الله تعالى وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ولا مذكور أعظم من رب العزة. فما كان ذكرا له كان أفضل من سائر الأذكار.

وقد حكى السيوطي في الإتقان: عن الأشعري والباقلاني وابن حبان المنع من أن يقال في القرآن فاضل وأفضل. قالوا: وما ورد مما يفيد ذلك محمول على الأعظمية في الأجر. لا أن بعض القرآن أفضل من بعض. وقد رد ذلك غير واحد، حتى قال ابن الحصار: العجب ممن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة في التفضيل. وقال الغزالي في جواهر القرآن: لعلك أن تقول: قد أشرت إلى تفضيل بعض آيات القرآن على بعض، والكلام كلام الله، فكيف يتفاوت بعضها بعضا. وكيف يكون بعضها أشرف من بعض؟ فاعلم أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينات، وبين سورة الإخلاص وسورة تبت، وترتاع على اعتقاد نفسك الخوارة المستغرقة بالتقليد، فقلد صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم فهو الذي أنزل عليه القرآن وقال:

" يس قلب القرآن، وفاتحة الكتاب أفضل سور القرآن ".

وآية الكرسي سيدة آي القرآن. وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن. والأخبار الواردة في فضائل القرآن وتخصيص بعض السور والآيات بالفضل وكثرة الثواب في تلاوتها - لا تحصى. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٩٢