تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمنها؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلظ المصيبة في فواتها بذهاب الأهل والمال في الحديث المتقدم.

ومنها؛ حبوط عمل تاركها المضيع لها في الحديث السالف أيضا.

ومنها؛ أنها كانت أحب إليهم من أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وأهليهم وأموالهم!

ومنها؛ قوله صلى الله عليه وسلم:

" من حافظ عليها كان له أجرها مرتين "

رواه مسلم.

ومنها؛ أن انتظارها بعد الجمعة كعمرة - رواه أبو يعلى. وروى الحاكم: كمن أتى بحجة وعمرة.

ومنها؛ قوله صلى الله عليه وسلم:

" ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم... إلى أن قال: ورجل أقام سلعة بعد العصر فحلف بالله أنه أخذها بكذا وكذا. فجاء رجل فصدقه فاشتراها "

متفق عليه. ثم قال: قلت وقد عظم الله الأيمان التي يحلف بها العباد فيما شجر بينهم بعدها فقال:

تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله

[المائدة: 106] قال عامة المفسرين: بعد صلاة العصر. ولذلك غلظ العلماء اللعان وسائر الأيمان المغلظة بوقت صلاة العصر لشرفه ومزيته.

ومنها: أن سليمان - عليه السلام - أتلف مالا عظيما من الخيل لما شغله عرضها عن صلاة العصر إلى أن غابت الشمس. فمدحه الله تعالى بذلك وأثنى عليه بقوله تعالى:

نعم العبد إنه أواب * إذ عرض عليه بالعشي...

[ص: 30-31]. الآية.

ومنها؛ أن الساعة التي في يوم الجمعة قد قيل: إنها بعد العصر.

ومنها؛ أن وقتها وقت ارتفاع الأعمال.

ومنها؛ الحديث المرفوع: إن الله تعالى يوحي إلى الملكين: لا تكتبا على عبدي الصائم بعد العصر سيئة.

ومنها؛ ما جاء في قوله تعالى:

والعصر * إن الإنسان لفى خسر

[العصر: 1-2]. قال مقاتل: العصر هي الصلاة الوسطى أقسم بها - حكاه ابن عطية.

ومنها؛ ما روى في الحديث، " أن الملائكة تصف كل يوم بعد العصر يكتبها في السماء الدنيا فينادي الملك: ألق تلك الصحيفة. فيقول: وعزتك ما كتبت إلا ما عمل. فيقول الله عز وجل: لم يرد به وجهي. وينادي الملك الآخر: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول الملك: وعزتك إنه لم يعمل ذلك. فيقول الله عز وجل: إنه نواه ".

ومنها؛ أن وقتها وقت اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم في الغالب.

وقد أفرد الكلام على تفسير هذه الآية بمؤلفات. وذكر العلامة الفاسي - شارح القاموس - فيما نقله عنه الزبيدي، أن الأقوال فيها أنافت على الأربعين. فرضي الله عن العلماء المجتهدين وأرضاهم.

سنح لي وقوي بعد تمعن - في آوخر رمضان سنة 1323ه - احتمال قوله تعالى: ﴿ والصلوة الوسطى ﴾ بعد قوله: ﴿ حافظوا على الصلوت ﴾ لأن يكون إرشادا وأمرا بالمحافظة على أداء الصلاة أداء متوسطا: لا طويلا مملا ولا قصيرا مخلا. أي: والصلاة المتوسطة بين الطول والقصر. ويؤيده الأحاديث المروية عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك، قولا وفعلا.

ثم مر في القاموس - في 23 ربيع الأول سنة 1324ه - حكاية هذا قولا. حيث ساق في مادة و س ط الأقوال في الآية، ومنها قوله: أو المتوسطة بين الطول والقصر؛ قال شارحه الزبيدي: وهذا القول رده أبو حيان في البحر.

ثم سنح لي احتمال وجه آخر: وهو أن يكون قوله: ﴿ والصلوة الوسطى ﴾ أريد به توصيف الصلاة المأمور بالمحافظة عليها بأنه فضلى، أي: ذات فضل عظيم عند الله. فالوسطى بمعنى الفضلى من قولهم للأفضل: الأوسط. وتوسيط الواو بين الصفة والموصوف مما حققه الزمخشري واستدل له بكثير من الآيات. وفي سوق الصفة بهذا الأسلوب، من الاعتناء بالموصوف ما لا يخفى. وأسلوب القرآن أسلوب خاص انفرد به في باب البلاغة، لم ينفتح من أبواب عجائبه إلا قطرة من بحر. ولعل هذا الوجه هو ملحظ من قال: هي الصلوات الخمس، وهو معاذ بن جبل رضي الله عنه، فكأنه أشار إلى أن المعطوف عين المعطوف عليه. إلا أنه أتى بجملة تفيد التوصيف.

وقوله تعالى: ﴿ وقوموا لله ﴾ - في الصلاة - ﴿ قنتين ﴾ خاشعين ساكتين. روى الشيخان عن زيد بن أرقم: إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته. حتى نزلت ﴿ حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى وقوموا لله قنتين ﴾ فأمرنا بالسكوت.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٧٥