تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا

[البقرة: 286] فقال ربهم تبارك وتعالى: قد فعلت.

وفي زاد المعاد قال شيخنا: حقيقة الإغلاق أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته.

قال أبو العباس المبرد: الغلق ضيق الصدر وقلة الصبر حتى لا يجد له مخلصا.

قال شيخنا: ويدخل في ذلك طلاق المكره والمجنون ومن زال عقله بسكر أو غضب وكل من لا قصد له ولا معرفة له بما قال.

والغضب على ثلاثة أقسام:

أحدها: ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال. وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع.

الثاني: ما يكون في مباديه بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده، فهذا يقع طلاقه.

الثالث: أن يستحكم ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية، ولكن يحول بينه وبين نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال. فهذا محل نظر. وعدم الوقوع في هذه الحالة قوي متجه.

فصل

وأما طلاق الحائض والنفساء والموطوءة في طهرها، ففي الصحيحين

" أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض - على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - فسأل عمر بن الخطاب، عن ذلك، رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: " مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر. ثم إن شاء أمسكها بعد ذلك وإن شاء طلقها قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ".

ولمسلم:

" مره فليراجعها ثم ليطلقها إذا طهرت أو وهي حامل "

وفي لفظ:

" " إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمس " ، فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله تعالى "

وفي لفظ للبخاري:

" مره فليراجعها ثم ليطلقها في قبل عدتها "

وفي لفظ لأحمد وأبي داود والنسائي، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:

" طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرها شيئا. وقال: " إذا طهرت فليطلق أو ليمسك "

وقال ابن عمر رضي الله عنه: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن

[الطلاق: 1] في قبل عدتهن، فتضمن هذا الحكم أن الطلاق على أربع أوجه: وجهان حلالان. ووجهان حرامان. فالحلال: أن يطلق امرأته طاهرا من جماع. أو يطلقها حاملا مستبينا حملها. والحرام: أن يطلقها وهي حائض. أو يطلقها في طهر جامعها فيه. هذا في طلاق المدخول بها. وأما من لم يدخل بها فيجوز طلاقها حائضا وطاهرا.

ثم إن الخلاف في وقوع الطلاق المحرم لم يزل ثابتا بين السلف والخلف. وقد وهم من ادعى الإجماع على وقوعه وقال بمبلغ علمه وخفي عليه من الخلاف ما اطلع عليه غيره. وقد قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فهو كاذب. وما يدريه لعل الناس اختلفوا؟ كيف والخلاف بين الناس في هذه المسألة معلوم الثبوت عن المتقدمين والمتأخرين..؟

قال محمد بن عبد السلام الخشني: ثنا محمد بشار: ثنا عبد الوهاب بن عبد الحميد الثقفي. ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال، في رجل يطلق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: لا يعتد بذلك. ذكره أبو محمد بن حزم في المحلى بإسناده إليه.

وقال عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: أنه كان لا يرى طلاق ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة. وكان يقول: وجه الطلاق أن يطلقها طاهرا من غير جماع أو إذا استبان حملها.

قال أبو محمد بن حزم: العجب من جراءة من ادعى الإجماع على خلاف هذا وهو لا يجد فيما يوافق قوله - في إمضاء الطلاق في الحيض أو في الطهر الذي جامعها فيه - كلمة عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، غير رواية عن ابن عمر. وقد عارضها ما هو أحسن منها عن ابن عمر.

وقال أبو محمد: بل نحن أسعد بدعوى الإجماع ههنا لو استجزنا ما يستجيزون - ونعوذ بالله من ذلك - وذلك أنه لا خلاف بين أحد من أهل العلم قاطبة ومن جملتهم جميع المخالفين لنا في ذلك، أن الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه - بدعة.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٦٤