" إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني "
، ولو كان ذلك طعاما وشرابا للفم - كما قيل - لما كان صائما. فضلا عن كونه مواصلا. كذا في زاد المعاد.
وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف، أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة. وحمله منهم على أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة لأنفسهم، لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة. والله أعلم.
قال ابن كثير: ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشادي من باب الشفقة. كما جاء في حديث عائشة: رحمة لهم. فكان ابن الزبير وابنه عامر ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك ويفعلونه، لأنهم كانوا يجدون قوة عليه.
﴿ ولا تبشروهن وأنتم عكفون في المسجد ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غيره. فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلا أو نهارا حتى يقضي اعتكافه، وقال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد: إنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية. قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود، ومحمد بن كعب، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، والربيع ابن أنس، ومقاتل قالوا: لا يقربها وهو معتكف.
قال ابن كثير: وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء: أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفا في مسجده.
ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها؛ فلا يحل له أن يثبت فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك - من قضاء الغائط أو الأكل - وليس له أن يقبل امرأته، ولا أن يضمها إليه، ولا أن يشتغل بشيء سوى اعتكافه.
ثم قال ابن كثير: المراد بالمباشرة، الجماع ودواعيه من تقبيل ومعانقة ونحو ذلك. فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به. فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني إلي رأسه فأرجله وأنا حائض. وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان. وفي الصحيحين أيضا: أن صفية أم المؤمنين كانت تزور النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في المسجد، فتتحدث عنده ساعة ثم ترجع إلى منزلها. فيقوم النبي صلى الله عليه وسلم ليمشي معها حتى يبلغها دارها، وذلك في الليل.
تنبيهان
الأول: قال الراغب: ظاهر ذكر المساجد يقتضي جواز الاعتكاف في كل مسجد.
الثاني: في ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر الصيام. كما ثبت في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده. ثم إن حقيقة الاعتكاف هو المكث في بيت الله تقربا إليه. وهو من الشرائع القديمة.
وقال الإمام ابن القيم في زاد المعاد في هديه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف: لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفا وعلى جمعيته على الله. ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى. فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى. وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثا، ويشتته في كل واد. ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه، أو يعوقه ويوقفه - اقتضت رحمة العزيز الرحيم لعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى. وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه. ولا يضره ولا يقطعه من مصالحه العاجلة والآجلة. وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه، عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه. بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته. فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم به كله، والخطرات كلها بذكره. والفكرة في تحصيل مراضيه وما يقرب منه. فيكون أنسه بالله بدلا عن أنسه بالخلق.