ما فرطنا في الكتب من شيء
[الأنعام: 38]، وقوله:
ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء
[النحل: 89]، فأفادناه عليه السلام وبينه لنا - صار حجة وشاهدا أن يقولوا:
ما جآءنا من بشير ولا نذير
[المائدة: 19] وجعل أمته، المتخصصة بمعرفته، شهودا على سائر الناس. إن قيل: هل أمته شهود كلهم أم بعض؟ قيل: كلهم ممكن من أن يكونوا شهداء، وذلك بشريطة أن يزكوا أنفسهم بالعلم والعمل الصالح، فمن لم يزك نفسه لم يكن شاهدا ومقبولا. ولذلك قال تعالى:
قد أفلح من زكاها
[الشمس: 9] وعلى هذا قال:
يأيها الذين آمنوا كونوا قومين بالقسط شهدآء لله ولو على أنفسكم
[النساء: 135] فالقيام بالقسط مراعاة العدالة. وهي، بالقول المجمل، ثلاث: عدالة بين الإنسان ونفسه - وعدالة بينه وبين الناس - وعدالة بينه وبين الله عز وجل. فمن رعى ذلك فقد صار عدلا شاهدا لله عز وجل.
إن قيل: فهل هم شهود على بعض الأمة أم على الناس كافة؟ قيل: بل كل شاهد على نفسه وعلى أمته وعلى الناس كافة. فإن من عرف حكمة الله تعالى وجوده وعدله ورأفته، علم أنه لم يغفل تعالى عنه ولا عن أحد من الناس، ولا بخل عليهم ولا ظلمهم، ومن علم ذلك فهو شاهد لله على من في زمانه وعلى من قبله ومن بعده. وعلى هذا الوجه ما روي في الخبر: أن هذه الأمة تشهد للأنبياء على الأمم. انتهى كلام الراغب.
والخبر الذي أشار إليه رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب. فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا "
فذلك قوله جل ذكره: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ﴾ وقد روى مرفوعا عن جابر. أخرجه الطبري. وعن ثلة من التابعين من قولهم.
وأقول: قد بينا مرارا، أن مثل هذا الخبر وكل ما يروى مرفوعا أو غير مرفوع في تأويل هذه الآية، فكله يفيد أن للآية عموما يشمل ما ذكر، لا أنها خاصة به لا يستفاد منها غيره. كما أوضحناه في المقدمة في قولهم: نزلت الآية في كذا. وعليه، فلا تنافي بين ما يفهم من سياق الآية أو ما يتقاضاه معناها لغة، من حيث عمومها، أو ما يحمل عليها من نظائرها في التنزيل الكريم، وبين ما يروى في تفسيرها. فمآل ما يتعدد من سبب النزول في آية ما، أو ما يكثر من الآثار في وجوهها، كله من باب تفسير العام ببعض ما يتناوله لفظه. ولذلك يكثر في بعض طرق الروايات: ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى. أو ثم قرأ. أو: اقرأوا إن شئتم. مما يدل على أنه ذكرت الآية حجة لما أخبر به، لأنه مما يندرج فيها. فاحرص على ذلك.
تنبيهات
الأول: استدل بالآية على أن الإجماع حجة؛ لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة. والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها. فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله، فإجماع الأمة حق، لا تجتمع الأمة، والحمد لله، على ضلالة. كما وصفها الله بذلك في الكتاب فقال تعالى:
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله
[آل عمران: 110]، وهذا وصف لهم بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر. كما وصف نبيهم صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله:
الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر
[الأعراف: 157]، وبذلك وصف المؤمنين في قوله:
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
[التوبة: 71]، فلو قالت الأمة في الدين بما هو ضلال، لكانت لم تأمر بالمعروف في ذلك، ولم تنه عن المنكر فيه. وقد جعلهم الله شهداء على الناس. وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول.