وهذه القصة من اختلاق اليهود وتقولاتهم، ولم يقل بها القرآن قط، وإنما ذكرها التلمود، كما يعلم من مراجعة " مدارس يدكوت " في الإصحاح الثالث والثلاثين، وجاراه جهلة القصاص من المسلمين، فأخذوها منه.
قال الرازي في تفسيره: إن القصة التي ذكروها باطلة من وجوه:
أحدها: أنهم ذكروا في القصة أن الله تعالى قال لهما (أي: لهاروت وماروت): لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني، فقالا: لو فعلت ذلك بنا يا رب لما عصيانك، وهذا منهم تكذيب لله تعالى، وتجهيل له، وذلك من صريح الكفر.
وثانيها: أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وذلك فاسد، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة وبين العذاب، والله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره، وبالغ في إيذاء أنبيائه.
وثالثهما: أن من أعجب الأمور قولهم: إنهما يعلمان السحر، في حال كونهما معذبين ويدعوان إليه، وهما يعاقبان.
وهكذا، الإمام أبو مسلم احتج على بطلان نزول السحر عليهما أيضا بوجوه:
الأول: أن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزله هو الله، وذلك غير جائز، لأن السحر كفر وعبث لا يليق بالله تعالى إنزال ذلك.
الثاني: إن قوله: ﴿ ولكن الشيطين كفروا يعلمون الناس السحر ﴾ يدل على أن تعليم السحر كفر، فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر، وذلك باطل.
الثالث: كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر، فكذلك في الملائكة بطريق الأولى.
الرابع: إن السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة، وكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب؟ وهل السحر إلا الباطل المموه؟ وقد جرت عادة الله بإبطاله، كما قال في قصة موسى عليه السلام:
ما جئتم به السحر إن الله سيبطله
[يونس: 81] انتهى.
وقد ساق الرازي ما ارتآه أبو مسلم في تفسير هذه الآية: ولم نشأ نقله لبعده عن الصواب، وهكذا ما ذكره الإمام ابن حزم في كتابه " الفصل " في بحث " عصمة الملائكة " ففيه تكلف وتمحل غريب، كما يعلم بمراجعتهما.
وللراغب الأصفهاني احتمالات في تصحيح القصة، وتجويزات عجيبة تنبو عن الحق الصراح الذي آثرنا نقله أولا عن بعض المحققين. والله أعلم.
واعلم أن لفظ السحر، في عرف الشرع، مختص بكل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، ومتى أطلق ولم يقيد، أفاد ذم فاعله، قال تعالى:
سحروا أعين الناس
[الأعراف: 116] يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى. وقد يستعمل مقيدا: فيما يمدح ويحمد، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن أهتم:
" إن من البيان لسحرا "
، لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه، وبليغ عبارته، وبالجملة، فالسحر المطلق إنما هو تخييل بشعوذة صارفة للأبصار، أو تمتمة مزخرفة عائقة للأسماع، فلا يغير حقائق الأشياء، ولا ينقل الصور.
وقوله تعالى: ﴿ وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله ﴾ قال الراغب: الإذن قد يقال في الإعلام بالرخصة، ويقال للعلم، ومنه آذنته بكذا، ويقال للأمر الحتم.
وينبغي أن يعلم أن الإذن في الشيء من الله تعالى ضربان:
أحدهما: الإذن لقاصد الفعل في مباشرته، نحو قولك: أذن الله لك أن تصل الرحم.
والثاني: الإذن في تسخير الشيء على وجه تسخير السم في قتله من يتناوله، والترياق في تخليصه من أذيته، فإذن الله تعالى في وقوع التسخير وتأثيره من القبيل الثاني، وذلك هو المشار إليه بالقضاء، وعلى هذا يقال: " الأشياء كلها بإذن الله وقضائه " ولا يقال: الأشياء كلها بأمره ورضاه.
وقوله تعالى: ﴿ ويتعلمون ما يضرهم ﴾ إرشاد إلى أن ليس في تعلم السحر إلا المضرة، لما فيه من التلبيس والتمويه، وإيهام الباطل حقا، والتوصل به إلى المفاسد والشرور.
وقوله سبحانه: ﴿ ولا ينفعهم ﴾ صرح به إيذانا بأنه ليس من الأمور المشربة بالنفع والضرر، بل هو شر بحت، وضرر محض. وقوله تعالى: ﴿ ولقد علموا ﴾ أي: اليهود الذي حكيت ضلالاتهم. وقوله: ﴿ لمن اشتراه ﴾ أي: استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله، والحق الذي أنزله. وقوله: ﴿ ما له في الآخرة من خلق ﴾ أي: نصيب، لإقباله على التمويه والكذب، واستعمال ذلك في اكتساب حطام الدنيا وتمتعاتها. وفيه إشارة إلى أن اختيارهم للسحر، ليس من جهلهم بضرره، بل أتوا ما أتوا عن علم بعاقبته السوأى.