تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35.29

قوله تعالى: ﴿ إن الذين يتلون كتاب الله ﴾؛ يعني القرآن في الصلاة وغيرها، ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾؛ المفروضة، ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ﴾؛ أي وأنفقوا مما أعطيناهم من الأموال تطوعا سرا فيسلموا بذلك عن تهمة الرياء، وفريضة جهرا فيسلمون بذلك عن تهمة المنع، ويقال أراد بذلك النفقة في الجهاد، ﴿ يرجون ﴾؛ بذلك، ﴿ تجارة لن تبور ﴾؛ أي لن تكسد ولا يرد عليها الفساد والبطلان.

35.30

قوله تعالى: ﴿ ليوفيهم أجورهم ﴾؛ ليعطيهم أجر أعمالهم كاملة، ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾؛ فوق ما يستحقوه، قال ابن عباس: (يعني سوى الثواب)، وقوله تعالى: ﴿ إنه غفور شكور ﴾؛ إنه غفور لذنوبهم، شكور يعامل بالأحسن معاملة الشاكر، قال ابن عباس: (غفر العظيم من ذنوبهم، وشكر اليسير من أعمالهم).

35.31

قوله تعالى: ﴿ والذي أوحينآ إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه ﴾؛ أي موافقا لما قبله من الكتب، لأن كتب الله تعالى كلها دالة على توحيده وإن اختلفت بالشرائع، ﴿ إن الله بعباده لخبير بصير ﴾؛ أي خبير بأقوالهم وأفعالهم ونياتهم فيجزيهم بما يستحقون.

35.32

قوله تعالى: ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾؛ قال مقاتل: (يعني القرآن)، وقوله تعالى: ﴿ الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ثم قسمهم ورتبهم فقال تعالى: ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾؛ وهو الذي مات على كبره ولم يتب عنها، ﴿ ومنهم مقتصد ﴾؛ وهو الذي لم يصب كبيرة، ﴿ ومنهم سابق بالخيرات ﴾؛ يعني المقربين الذين سبقوا إلى أعمال، وقال الحسن: (الظالم: الذي ترجح سيئاته على حسناته، والمقتصد: الذي استوت حسناته سيئاته، والسابق: من رجحت حسناته على سيئاته).

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:

" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سابقنا سابق "

أي إلى الجنة أو إلى رحمة الله تعالى بالخيرات؛ أي بالأعمال الصالحة، ﴿ بإذن الله ﴾؛ أي بإرادة الله، ﴿ ذلك هو الفضل الكبير ﴾؛ معناه: إيراثهم الكتاب هو الفضل الكبير، وسمي إعطاء الكتاب إيراثا لأنهم أعطوه بغير مسألة ولا اكتساب.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا:

" السابقون يدخلون الجنة بغير حساب، والمقتصدون يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة، والظالمون يحاسبو ما شاء الله أن يحاسبوا، ثم يرحمهم الله تعالى فيدخلهم الجنة، وهم الذين يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن... "

إلى آخر الآيتين.

وعن الحسن أنه قال: (السابق الذي ترك الدنيا، والمقتصد الذي أخذ الحلال، والظالم الذي لا يبالي من أين أخذ). ويقال: الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد صاحب الصغائر، والسابق الذي اتقى سيئاته.

فإن قيل ما الحكمة في تقديم الظالم وتأخير السابق؟ قيل: الواو لا توجب الترتيب كما قال تعالى

فمنكم كافر ومنكم مؤمن

[التغابن: 2]. وقيل: قدم الظالم لئلا ييأس من رحمته، وأخر السابق لئلا يعجب بنفسه. وقيل: قدم الظالم فإذا لم يكن له شيء يتكل عليه إلا رحمة الله تعالى، وثنى بالمقتصد لحسن ظنه بربه. وقيل: لأنه بين الخوف والرجاء، وأخر السابق لأنه اتكل على حسناته. وقيل: لئلا يأمن أحد مكره، وكلهم في الجنة بحرمة كلمة الإخلاص.

وعن عقبة بن صهبان قال: (سألت عائشة عن قوله: ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ فقالت: يا بني كلهم في الجنة، وأما السابق فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم فمثلي ومثلك). وقال سهل بن عبدالله: (السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل).

وقيل: السابق الذي اشتغل بمعاده، والمقتصد بمعاده ومعاشه، والظالم الذي اشتغل بمعاشه عن معاده. وقيل: الظالم طالب الدنيا، والمقتصد طالب العقبى، والسابق طالب المولى. وقيل: الظالم المرائي في جميع أفعاله، والمقتصد المرائي في بعض أفعاله دون بعض، والسابق المخلص في أفعاله كلها.

التفسير الكبير · الصفحة ١٥٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٥٩٩