تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المعقل المنيع (خليج العقبة) الذي سيتصل بشط العرب وخليج فارس فيكون

أقرب الطرق الحربية التجارية إلى الهند، ولا تنس اتصاله بثغر حيفا على البحر

الأبيض المتوسط، بل الأمر أعظم من ذلك.

إن خليج العقبة لأمنع معقل بحري في العالم كله، وإنه لهو الذي يمكن

الإنكليز من السيطرة على جزيرة العرب المقدسة وعلى بقية بلاد الأمة العربية من

العراق وسورية الجنوبية، والبقاء في مصر والسودان المحتلة بالجنود الإنكليزية

والطيارات البريطانية، واشتهر أن الإنكليز قد شرعوا في نزع أرضه من أصحاب

الأيدي عليها لامتلاك رقبة الأرض كلها من المسلمين لتكون خالصة لهم ملكا

(بالكسر) وملكا (بالضم) .

علم الإنكليز دهاة البشر أن هذه الهبة من علي بن حسين ملك الحجاز بالأمس

والطامع في عرش سورية في الغد - لأخيه عبد الله بن حسين أمير شرق الأردن

اليوم والطامع في لقب ملك فلسطين في غد - هبة غير صحيحة في الشرع

الإسلامي ولا في القانون الدولي، وأن لملك الحجاز الحق كله في مطالبتهم هم

بردها إليه، فراودوا الملك عبد العزيز ابن السعود عنها، وطلبوا منه إقرارها من

أول العهد باستيلائه على الحجاز إلى اليوم فأبى، أظهروا له الود فما انخدع وما

ونى، وكادوا له الكيد بعد الكيد فما عثر جواده ولا كبا.

ثارت في وجهه فتنة الدويش في نجد بإغراء حدود العرق، فظهر عليها بعد

إهراق دماء غزيرة كانت من أعظم قواته في نجد فاضطروا إلى موادته في خاتمتها.

ثم ثارت في وجهة فتنة ابن رفادة في الحجاز بتحريش الدسائس من ناحتي

شرق الأردن ومصر، فلما رأوا ما قابلها به من حزم وعزم، وأنه بطش بها

بسرعة فقضى على الفتنة القضاء المبرم، اضطروا إلى إظهار الوداد له، ورضوا

بعجزه عن الزحف على العقبة، وإبقاء مسألتها معلقة.

وقد ثارت في وجهه اليوم الفتنة السوءى، الطامة الكبرى، وهي استجماع

قوى جزيرة العرب الجنوبية كلها في اليمن، وتوجيهها إلى قتاله في عسير فالحجاز

ونجد، وتوجيه قواه كلها إلى مكافحتها ومقاتلتها، ودبت عقارب الدسائس لإثارة

الفتن في الحجاز والعراق مرة أخرى، حتى إذا اشتجر في الجنوب الأقران والأقتال،

واستحر بين القوتين الكبريين القتال، تم للإنكليز اقتحام العقبة في الشمال، ويقال:

إن فتنة ابن رفادة عادت سيرتها الأولى، وإن رسولا تسلل من شرق الأردن إلى

زعيم أو زعيمين من قبائل الحجاز سراء ولا تزال الأراجيف تترى.

إن أفضل ما يعمل الآن هو السعي لإصلاح ذات البين، وعقد المحالفة بين

الإمامين، على الأساس الذي اتفقا عليه وعقدا مؤتمر أبها لأجله، وقد سبق إلى ذلك

بالقول والفعل وفد المؤتمر الإسلامي العام، فخاطب السيد أمين الحسيني كلا من

الإمامين في عيد الأضحى، وجاءتني منه برقية بالخير كلفني فيها الإبراق إليهما

بتأييد وساطة المؤتمر الإسلامي، ووصلت إلي هذه البرقية يوم الخميس 29 مارس

ونشر خبرها في جريدة الجهاد الغراء، ثم نشرت الجرائد برقيات أخرى من

سماحته إلى بعض الأمراء والكبراء في مصر وغيرها، (وقد ألف الوفد بالفعل

فسافر بعد كتابة ما تقدم للمنار وقبل نشره) وأيده بالبرقيات أشهر أمراء مصر

وزعمائها.

فالواجب على المخلصين ممن أظهروا الرغبة في إرسال وفد أو وفود أخرى

أن يؤيدوا ذلك الوفد ويضعوا ثقتهم فيه وحده؛ إذ لا حاجة إلى إرسال غيره،

فرجاله ثقات معروفون بأنفسهم لا ببرقياتهم وألقابهم، ولا يخالفهم إلا من يريد

إحباط عملهم، و ﴿إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾ (يونس: 81) .

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٨٧