تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(3) إنهم فوق هذا يئنون تحت نير الاستعباد، ويقاسون الشدائد بيد

الاستبداد، وإن الدولة التي تملكهم نفس تلك الدولة التي حاربت بلادكم وتريد

الاستيلاء عليها، فسعيهم ضدها محفوف بالأخطار، ومجلبة للأهوال. بيد أنهم

لمجرد واجبهم الإنساني والشرقي - وأكبر منهما واجب الأخوة الإسلامية وحماية

المظلوم - لم يستطيعوا القرار في راحتهم وبيوتهم، بل اضطروا إلى منازلة أقوى

دول الأرض لأجلكم ولحرية بلادكم!

أفليس في هذا عبرة وموعظة لكم، أهل البلاد الإسلامية والعربية؟ البلاد

التي:

(1) حريتها واستقلالها وحياتها وشرفها القومي والوطني في معرض

الهلاك.

(2) لم تكن مستعبدة لأوربا، بل كانت لها حكومة إسلامية شرقية،

ومهما تكن سيئاتها كثيرة، فهي على كل حال كانت حكومة قومية وإسلامية،

وظلمها وغدرها وميلها كان أحسن وأولى من عبودية الأجانب.

(3) هي نفسها كانت في الحرب فريقا محاربا، وكان الشرع والعقل يوجبا

عليها أن تغض النظر عن مصائبها الداخلية وتحارب العدو الخارجي وتدفع شره،

ولكنها ماذا فعلت؟

إن التاريخ سيقص قصتها بكل خجل وحياء!! فإنها لم تكتف بالقعود عن أداء

فرضها الديني والوطني والإنساني، بل واسوأتاه! كثير من أبنائها انضموا إلى

العدو، فساعدوه علي مطامعه وكانوا سببا لانكسار آخر الدول الإسلامية وانقراضها،

حتى إن رجلا قرشيا هاشميا قاد جيوش الحلفاء إلى (بيت المقدس) فنزعه من

إخوان دينه وسلمه إلى أعدائه!

لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في قلب إسلام وإيمان!

أفلم يأت إلى الآن وقت قمع المطامع الشخصية والأهواء الباطلة؟ أفليس هذا

أوان الرجوع إلى الله، ورتق ما فتق، وسد ثلمة الإسلام، واتحاد الكلمة، والذود

عن البلاد الإسلامية والعربية؟ أفلم يأن للمسلمين أن يعودوا إلى رشدهم، ويصلحوا

ما أفسدته أيديهم؟ {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون

ولا هم يذكرون} (التوبة: 126)

إن مسلمي الهند ليسوا بمجانين حتى يرغبوا في أن يكون أهل بلاد العرب

والشام عبيدا للأتراك، ولكن ليس معنى التحرير من ربقة الترك، العبودية

لبريطانية وفرنسة باسم الوصاية أو الحماية، فيجب على إخواننا أن يغنموا هذه

الحقيقة.

إنه لا يمكن لأمة أن تصون حريتها ما لم تكن وراءها قوة عسكرية، والأتراك

مهما تكن سيئاتهم وذنوبهم، فالحقيقة التاريخية أن قوتهم العسكرية هي التي حافظت

إلى الآن على الأجزاء الباقية من البلاد الإسلامية وردت عنها كيد الأعداء، وإن

العراق والشام إن نالتا اليوم الحرية التامة، لا تستطيعان المحافظة عليها لفقدان قوة

عسكرية منظمة منهما، فإذا لا مناص لهما ولغيرهما من البلدان الإسلامية من أن

تتحد وتتفق وترتبط بقوة مركزية، مع حفظ حريتها المحلية واستقلالها الداخلي،

وإلا فلا نجاة لها من الحلفاء.

إن الحرية الوطنية إنما تصونها وتضمنها القوة، لا الوعود والعهود

والمعاهدات والمؤتمرات، فإن الغرب لا يبالي بشيء منها بل إنما يهاب القوة،

والقوة وحدها تجعله يحترمها - فعلى أهل البلاد الإسلامية أن يتحدوا ويتعاونوا

ويتناصروا ويرتبطوا بالقوة المركزية الإسلامية، ثم ليعملوا لطرد الأعداء من

أوطانهم - إن أحبوا - بلائحة (اللاتعاون السلمي) الهندية بعد أن يجعلوها ملائمة

لحالتهم الاجتماعية والسياسية [1] .

***

مجلة المنار الغراء

خصصت مجلة (المنار) الغراء بنشر هذا الخطاب؛ لأنها الخليقة بمثله

لأياديها البيضاء في الإصلاح الديني وقدحها المعلى في النهضة الإسلامية الحديثة،

فإنها لا تزال تجاهد جهادا عظيما منذ ربع قرن لإحياء المسلمين، وتقاوم الاستبداد

والقهر والجمود والتقليد من زمن بعيد، بل إنها أول صوت ارتفع على بعد أجيال

كثيرة لإعلاء كلمة الحق، وأعظم منار رفع للهداية إلى الصراط السوي، فإنها هي

التي قد مزقت ظلمات التقليد التي كانت محيطة بالمسلمين، وبصرتهم سبيل الإسلام

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٩٦