تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والدليل على هذا من الكتاب قوله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ (الشورى: 38) وقوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ (النساء: 59) الآية، وقوله: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو

ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} (النساء:

83) ومن السنة ما صح عنه من أن أمته لا تجتمع على ضلالة، وما كان يجعله

صلى الله عليه وسلم موضع الشورى من أمور الحرب وغيرها من المصالح الدنيوية

- وما أذن فيه من الاجتهاد والرأي عند فقد النص من الكتاب وعدم السنة المتبعة،

والحديث فيه مشهور- ومن آثار الخلفاء الراشدين المهديين ما كانوا يستشيرون فيه

أهل العلم والرأي من أمور الإدارة والقضاء والحرب أيضا وما وضعوه من الدواوين

والخراج وغير ذلك مما لم يرد به نص في الكتاب والسنة - ومن أصول الفقه حجية

إجماع الأمة، واجتهاد الأئمة- فكل هذا مما يسمى في عرف علم الحقوق والقانون

تشريعا - وهو ميدان المجتهدين الواسع، وجرى عليه العمل في خير القرون.

فثبت بهذا أن للإسلام اشتراعا مأذونا به من الله تعالى وأنه مفوض إلى الأمة

يقره أهل العلم والرأي والزعامة فيها بالشورى بينهم. وأن السلطة في الحقيقة للأمة

فإذا أمكن استفتاؤها في أمر وأجمعت عليه فلا مندوحة عنه. وليس للخليفة- دع من

دونه من الحكام- أن ينقض إجماعها ولا أن يخالفه، ولا أن يخالف نوابها وممثليها

من أهل الحل والعقد أيضا. واتفاق هؤلاء إذا كانوا محصورين يسمى إجماعا عند

علماء الأصول بشرط أن يكونوا من أهل العلم الاجتهادي. وأما إذا اختلفوا فالواجب

رد ما تنازعوا فيه إلى الأصليين الأساسيين وهما الكتاب والسنة والعمل بما يؤيده

الدليل منهما أو من أحدهما؛ لقوله تعالى بعد الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول

وأولي الأمر: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون

بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} (النساء: 59) أي أحسن عاقبة

ومآلا مما عداه، ومنه العمل برأي الأكثر في تشريع قوانين أوروبا ومقلديها، فشرعنا

مخالف لها في هذه المسألة.

ومن وجوه كونه خيرا من غيره وأحسن عاقبة أن النزاع بين الأمة يزول

بتحكيم الكتاب والسنة فيه، وتطيب نفوس جميع نواب الأمة بما ظهر رجحانه

بالدليل، ولا يبقى للأضغان والنزاع مجال بينهم، وقد تقدم إثبات سلطة الأمة وتمثيل

أهل الحل والعقد في هذا وذاك، فيراجع فيه تفسير: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول

وأولي الأمر منكم} (النساء: 59) في الجزء الخامس من تفسير المنار.

الاشتراع - أو التشريع أو الاستنباط - ضرورة من ضروريات الاجتماع

البشري، ومن قواعد الشرع الإسلامي أن الضرورة لها أحكام، منها: أنها تبيح ما

حرمه الله تعالى بإذنه في قوله بعد بيان محرمات الطعام: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ (الأنعام: 119) ومنها: نفي الحرج والعسر من الدين، وانتفاؤهما من قسم

المعاملات أولى من انتفائهما من قسم العبادات التي يعقل أن يكون فيها ضرب من

المشقة لتربية النفس وتزكيتها؛ إذ لا تكمل تربية بدون احتمال مشقة وجهد. ويسهل

هذا الاحتمال نية القربة وابتغاء المثوبة فيه، وليس في المعاملات شيء من معنى

التدين إلا ما ذكرنا آنفا، والغرض منه حفظ الأنفس والأموال والأعراض أن يعتدى

عليها بغير حق، فمن لم يردعه عن ذلك خوف عقوبة الحكام في الدنيا يردعه خوف

عذاب الله في الآخرة إن كان مؤمنا به وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم.

فتبين بهذا أن للاشتراع المدني والجنائي والسياسي والعسكري دلائل كثيرة،

منها قواعد الضروريات ونفي ومنع الضرر والضرار، فلو لم ينص في القرآن

على أن أمور المؤمنين العامة شورى بينهم، ولو لم يوجب طاعة أولي الأمر بالتبع

لطاعة الله وطاعة الرسول، ولو لم يفرض على الأمة رد هذه الأمور إليهم ويفوض

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٨٧