جيوشهم وأعتادها وأباحهم من ولايتي أزمير في آسيا وولاية أدرنة في أوربة ما
شاءوا بشرط أن ينعثوا له الأتراك ويأخذونهم أخذ عزيز مقتدر , وبحت أصوات
الهنود المجوس فضلا عن المسلمين في مطالبة إنكلترة بإنصاف تركية وتتابعت
ثوراتهم فكانوا كأنما يزيدون نار إنكلترة على الترك أجيجا، وكل هذا لاسترسال
لويد جورج إلى كلام فنزيلوس بأنه يسحق قوة مصطفى كمال في 15 يوما فمضت
سنة وشهر واليونان يهاجمون والأتراك يدافعون وقوة حكومة أنقرة هي إلى الأمام لا
إلى الوراء وجيش مصطفى كمال إن أعوزه كثير مما توفر عند غيره فقد عز بعد
ذلة وعمعم بعد قلة وجاءته أعتاد من هنا ومن هناك وأثبت أنه قوة لا يستهان بها
وأن الترك يحاربون في الأناضول سنين طوالا تنفتح أثنائها على إنكلترة فتن
مسقطة الآجال ومحن تزلزل الجبال، فعاد لويد جورج إلى النظر في معاهدة سيفر
وجوز التنقيح منها بعد أن كانت عنده آية لا تنسخ وعقدا لا يفسخ ولما رأت فرنسة
وإيطالية ما رأتا من ثبات الأتراك وصعوبة مراسهم وكانتا تعلمان أن تبسط اليونان
في الأناضول لا ينفعهما في شيء وإنما اليونان أصبحوا شرطة وجلاوزة [4]
للإنكليز على أبواب الدردنيل.
وكانت إيطالية خاصة وقفت منذ نهاية الحرب وقفة المنصف المعتدل البصير
بالعواقب في جانب العالم الإسلامي كله، نصحت إنكلترة بالعدول عن هذا العناد
والرجوع إلى مبادئ تخيير الأمم في تعيين مصيرها فرضي لويد جورج بقبول
مندوبي أنقرة في جنب مندوبي الآستانة مع أنه كان ينعتهم من قبل بالعصاة، ويعلن
بأنه يستحيل بأن يجلس في مؤتمر إلى عصابة أشقياء فأجلسه مصطفى كمال بسيفه
إلى جانب (أشقيائه) واضطره إلى تعديل كثير من شروطه، ولكنه لما وصل إلى
مسألة تركية عاد لويد جورج إلى عناده وأبى بقاعدة تصويت الأهالي، وقال هذه
معاهدة تعتبر جوهرا فردا، فإما أن تقبل بزرها وعروتها وإما أن ترفض بزرها
وعروتها، ولم يلبث أن رأى الخلف مع اليونان فيما كان أسلف من المواعيد نجاحا
للكبرياء البريطاني فعاد يسبر غور قسطنطين سرا عما إذا كان يقدر على استئناف
الهجوم ليكون السيف هو الحاسم فيما بقي تحت النزاع فأجابه قسطنطين بأن الأمة
اليونانية ناهضة إلى الحرب نهوضا نجيحا كافلة إخماد جمرة الأناضول بشرط أن
تمدها إنكلترة بالأموال اللازمة وهكذا قر بينهما القرار وزحفت جيوش اليونان
بقضها وقضيضها وجاءت بالشوك والشجر واحتلت أفيون قره حصار وتباشرت
ببلوغ الأوطار وتسحب الأتراك إلى الوراء لا يريدون أن يصلوهم القتال إلا على
مقربة من قواعد حركاتهم، فظن الأروام ذلك خورا وعجزا، ودلفوا إلى الترك
طامعين في الغلبة واحتلال إسكي شهر، فكانت هناك الواقعة الكبرى التي أسفرت
بعد حرب استمرت أسبوعا عن هزيمة اليونان الشنعاء ووقوع فرقة تامة منهم في
الأسر وامتلاء البطاح بأشلاء قتلاهم ونقالات جرحاهم، وسقط أخو الملك
قسطنطين [5] وبعض القواد الكبار في جملة القتلى، وعاد اليونان يستصرخون دول
الحلفاء ويستعدونهم على الترك وليس في دول الحلفاء الآن من تقدر على إصراخ
اليونان، فإيطاليا تفرح بفشل اليونان فرح الترك أنفسهم، وفرنسا لو كانت قادرة على
الإمداد لما أخلت كيليكيا وهي اليوم في شغل آخر من جهة المغرب، وإنكلترة لو لم
يمسها الإعياء لما طابت نفسها بإخلاء العراق ولا تركت القوقاز ولا تحفزت لإخلاء
فارس، فكيف تقدر أن تبقي خزانتها مفتوحة لحكومة أثينا ودوارعها مرصدة
لحماية الأروام.
ولو نظرنا إلى جمهوريات أذربيجان وكرجستان والطاغستان وقازان وطاشقند
والباشكرد وإمارتي بخارى وخيوة وكيف هبت كل من هذه الحكومات إلى ترتيب
أمورها وتأثيل استقلالها بعد أن كان الروس أودوا بقوميتها وأحنوا على عصبيتها -
لرأيت الشرق قد ركب جناحي نعامة في طلب استقلاله واستئناف مجده ونفض غبار