تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد جآءكم رسول من أنفسكم

التوبة 128 الآية، وقوله

لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم

آل عمران 164 الآية. والآيات المصرحة بكفرهم وعنادهم كثيرة جدا كقوله

أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب

ص 5

وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم

ص 6 الآية، وقوله

وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها

الفرقان 41-42 الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. فمجموع ما ذكرنا يؤيد قول من قال إن المراد بهذه القرية المضروبة مثلا في آية النحل، هذه هي مكة. وروي عن حفصة وغيرها " أنها المدينة، قالت ذلك لما بلغها قتل عثمان رضي الله عنه " وقال بعض العلماء هي قرية غير معينة، ضربها الله مثلا للتخويف من مقابلة نعمة الأمن والاطمئنان والرزق، بالكفر والطغيان. وقال من قال بهذا القول إنه يدل عليه تنكير القرية في الآية الكريمة في قوله ﴿ وضرب الله مثلا قرية ﴾ الآية. قال مقيده عفا الله عنه وعلى كل حال، فيجب على كل عاقل أن يعتبر بهذا المثل، وألا يقابل نعم الله بالكفر والطغيان. لئلا يحل به ما حل بهذه القرية المذكروة. ولكن الأمثال لا يعقلها عن الله إلا من أعطاه الله علما. لقوله

وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا العالمون

العنكبوت 43. وفي قوله في هذه الآية الكريمة ﴿ قرية ﴾ وجهان من الإعراب. أحدهما - أنه بدل من قوله ﴿ مثلا ﴾. الثاني - أن ﴿ ضرب ﴾ مضمن معنى جعل، وأن ﴿ قرية ﴾ هي المفعول الأول، و ﴿ مثلا ﴾ المفعول الثاني وإنما أخرت قرية لئلا يقع الفصل بينها وبين صفاتها المذكورة في قوله ﴿ كانت آمنة.. ﴾ الخ. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ مطمئنة ﴾ أي لا يزعجها خوف. لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف. وقوله ﴿ رغدا ﴾ أي واسعا لذيذا. والأنعام قيل جمع نعمة كشدة وأشد. أو على ترك الاعتداد بالتاء. كدرع وأدرع. أو جمع نعم كبؤس وأبؤس. كما تقدم في سورة الأنعام في الكلام على قوله

حتى يبلغ أشده

الأنعام 152 الآية. وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، هو أن يقال كيف أوقع الإذاقة على اللباس في قوله ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ﴾ الآية. وروي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب هل يذاق اللباس؟! يريد الطعن في قوله تعالى ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع ﴾ الآية. فقال له ابن الأعرابي لا بأس أيها النسناس! هب أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما كان نبيا! أما كان عربيا؟ قال مقيده عفا الله عنه والجواب عن هذا السؤال ظاهر، وهو أنه أطلق اسم اللباس على ما أصابهم من الجوع والخوف. لأن آثار الجوع والخوف تظهر على أبدانهم، وتحيط بها كالباس. ومن حيث وجدانهم ذلك اللباس المعبر به عن آثار الجوع والخوف، أوقع عليه الإذاقة، فلا حاجة إلى ما يذكره البيانيون من الاستعارات في هذه الآية الكريمة وقد أوضحنا في رسالتنا التي سميناها منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز أنه لا يجوز لأحد أن يقول إن في القرآن مجازا، وأوضحنا ذلك بأدلته، وبينا أن ما يسميه البيانيون مجازا أنه أسلوب من أساليب اللغة العربية.

وقد اختلف أهل البيان في هذه الآية، فبعضهم يقول فيها استعارة مجردة. يعنون أنها جيء فيها بما يلائم المستعار له. وذلك في زعمهم أنه استعار اللباس لما غشيهم من بعض الحوادث كالجوع ولخوف، بجامع اشتماله عليهم كاشتمال اللباس على اللابس على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية التحقيقية، ثم ذكر الوصف، الذي هو الإذاقة ملائما للمستعار له، الذي هو الجوع والخوف. لأن إطلاق الذوق على وجدان الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة لكثرة الاستعمال. فيقولون ذاق البؤس والضر، وأذاقه غيره إياهما. فكانت الاستعارة مجردة لذكر ما يلائم المستعار له، الذي هو المشبه في الأصل في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة. ولو أريد ترشيح هذه الاستعارة في زعمهم لقيل فكساها. لأن الإتيان بما يلائم المستعار منه الذي هو المشبه به في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة يسمى " ترشيحا " والكسوة تلائم اللباس، فذكرها ترشيح للاستعارة. قالوا وإن كانت الاستعارة المرشحة أبلغ من المجردة، فتجريد الاستعارة في الآية أبلغ. من حيث إنه روعي المستعار له الذي هو الخوف والجوع، وبذكر الإذاقة المناسبة لذلك ليزداد الكلام وضوحا. وقال بعضهم هي استعارة مبنية على استعارة. فإنه أولا استعار لما يظهر على أبدانهم من الاصفرار والذبول والنحول اسم اللباس، بجامع الإحاطة بالشيء والاشتمال عليه، فصار اسم اللباس مستعارا لآثار الجوع والخوف على أبدانهم، ثم استعار اسم الإذاقة لما يجدونه من ألم ذلك الجوع والخوف، المعبر عنه باللباس، بجامع التعرف والاختبار في كل من الذوق بالفم، ووجود الألم من الجوع والخوف. وعليه ففي اللباس استعارة أصلية كما ذكرنا. وفي الإذاقة المستعارة لمس ألم الجوع، والخوف استعارة تبعية. وقد ألممنا هنا بطرف قليل من كلام البيانيين هنا ليفهم الناظر مرادهم، مع ان التحقيق الذي لا شك فيه أن كل ذلك لا فائدة فيه، ولا طائل تحته، وأن العرب تطلق الإذاقة على الذوق وعلى غيره من وجود الألم واللذة، وأنها تطلق اللباس على المعروف، وتطلقه على غيره مما فيه معنى اللباس من الاشتمال. كقوله

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٦٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٦٣٢