" إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا "
انفرد بإخراجه مسلم اه من ابن كثير. وهذه الأحاديث ظاهرة في ترجيح القول بأن الحياة الطيبة في الدنيا. لأن قوله صلى الله عليه وسلم
" أفلح "
يدل على ذلك لأن من نال الفلاح نال حياة طيبة. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم
" يعطى بها في الدنيا "
يدل على ذلك أيضا. وابن كثير إنما ساق الأحاديث المذكورة لينبه على أنها ترجح القول المذكور. والعلم عند الله تعالى. وقد تقرر في الأصول أنه إذا دار الكلام بين التوكيد والتأسيس رجح حمله على التأسيس وإليه أشار في مراقي السعود جامعا له مع نظائر يجب فيها تقديم الراجح من الاحتمالين بقوله
كذاك ما قابل ذا اعتلال من التأصل والاستقلال ومن تأسس عموم وبقا الأفراد والإطلاق مما ينتفى كذاك ترتيب لإيجاب العمل بماله الرجحان مما يحتمل
ومعنى كلام صاحب المراقي أنه يقدم محتمل اللفظ الراجح على المحتمل المرجوح، كالتأصل، فإنه يقدم على الزيادة نحو
ليس كمثله شيء
الشورى 11 يحتمل كون الكاف زائدة، ويحمل أنها غير زائدة. فالمراد بالمثل الذات.
كقول العرب مثلك لا يفعل هذا. يعنون أنت لا ينبغي لك أن تفعل هذا فالمعنى ليس كالله شيء. ونظيره من إطلاق المثل وإرادة الذات
وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله
الأحقاف 10 أي على نفس القرآن لا شيء آخر مماثل له، وقوله
كمن مثله في الظلمات
الأنعام 122 أي كمن هو في الظلمات. وكالاستقلال فإنه يقدم على الإضمار. كقوله تعالى
أن يقتلوا أو يصلبوا
المائدة 33 الآية. فكثير من العلماء يضمرون قيودا غير مذكورة فيقولون أن يقتلو إذا قتلوا، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم إذا أخذوا المال ولم يقتلوا..الخ. فالمالكية يرجحون أن الإمام مخير بين المذكورات مطلقا. لأن استقلال اللفظ أرجح من إضمار قيود غير مذكورة. لأن الأصل عدمها حتى تثبت بدليل. كما أشرنا إليه سابقا في المائدة وكذلك التأسيس يقدم على التأكيد وهو محل الشاهد. كقوله
فبأي آلاء ربكما تكذبان
في سورة الرحمن، وقوله
ويل يومئذ للمكذبين
في المرسلات. قيل تكرار اللفظ فيهما توكيد، وكونه تأسيسا أرجح لما ذكرنا. فتحمل الآلاء في كل موضع على ما تقدم. قيل لفظ ذلك التكذيب فلا يتكرر منها لفظ. وكذا يقال في سورة المرسلات فيحمل على المكذبين بما ذكر، قيل كل لفظ الخ. فإذا علمت ذلك فاعلم - أنا إن حملنا الحياة الطيبة في الآية على الحياة الدنيا كان ذلك تأسيسا. وإن حملناها على حياة الجنة تكرر ذلك مع قوله بعده ﴿ ولنجزينهم أجرهم ﴾ الآية. لأن حياة الجنة الطيبة هي أجرهم الذي يجزونه. وقال أبو حيان في البحر والظاهر من قول تعالى ﴿ فلنحيينه حياة طيبة ﴾ أن ذلك في الدنيا. وهو قول الجمهور. ويدل عليه قوله ﴿ ولنجزينهم أجرهم ﴾ يعني في الآخرة.