14.13-14
قوله تعالى: ﴿ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنآ ﴾؛ أي قالت الكفار لرسلهم: لا نساكنكم على مخالفتكم ديننا ﴿ أو لتعودن في ملتنا ﴾ وقد ذكرنا في قصة شعيب، ﴿ فأوحى إليهم ربهم ﴾ ، فأوحى الله إلى الرسل: ﴿ لنهلكن الظالمين ﴾ ، أي الكفار، ﴿ ولنسكننكم الأرض ﴾؛ أرضهم وديارهم، ﴿ من بعدهم ﴾؛ من بعد هلاكهم، وهذا نهاية ما في الإنعام، فإن هذا جزاء من توكل على الله، ﴿ ذلك ﴾؛ جزاء، ﴿ لمن خاف مقامي ﴾؛ مقام العباد عندي، ﴿ وخاف وعيد ﴾؛ وخاف وعيدي بالعقاب ولمن عصاني.
14.15
قوله تعالى: ﴿ واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ﴾؛ أي سألت الرسل ربهم أن يحكم بينهم وبين الكفار؛ لأن الفتح ها هنا بمعنى الحكم، يقال للحاكم: الفتاح، فلما فزعت الرسل إلى ربهم بانجاز الوعد، فتح لهم ما طلبوه فخاب كل جبار عنيد.
والجبار: هو الطالب للخير والعلو فوق كل علو، والعنيد: هو الدافع للحق على جهة الاستنكار، وقال قتادة: (العنيد: المعرض عن طاعة الله)، وقال مجاهد: (هو المجانب للحق).
14.16-17
قوله تعالى: ﴿ من ورآئه جهنم ﴾؛ معناه أمام هذا الجبار بعد الموت جهنم، والوراء يكون من خلف وقدام. قوله تعالى: ﴿ ويسقى من مآء صديد ﴾؛ أي يسقى من ماء يسيل من جلود أهل النار من القيح والدم، قال ابن عباس: (في جهنم أودية، في تلك الأودية صديد أهل النار وقيحهم ودماؤهم، فيسقون من ذلك الصديد قد نتن ريحه) ﴿ يتجرعه ﴾؛ شاربه، والملك يضربه بالمقامع ويقول له: اشرب، فيقول: لا أطيقه، فيضربه حتى يشربه جرعة جرعة، ولا يكاد يسيغه من نتنه وحره.
قوله تعالى: ﴿ ولا يكاد يسيغه ﴾؛ لا يقدر أن يبتلعه، والإساغة هو دخول المشروب في حلقه مع قبول النفس له، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" يقرب إليه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه فيه، فإذا شربه قطع أمعاءه، فتخرج أمعاؤه من الجانب الآخر "
كما قال تعالى:
وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم
[محمد: 15].
قوله تعالى: ﴿ ويأتيه الموت من كل مكان ﴾؛ أي ويأتيه غم الموت من قدامه، ومن كل مكان كان فيه يموت بدون ذلك في الدنيا، قال ابن عباس: (يأتيه الموت من تحت كل شعرة في جسده). قيل: وتأتيه النيران من كل جانب، ﴿ وما هو بميت ﴾ ، فيستريح من العذاب، ﴿ ومن ورآئه عذاب غليظ ﴾؛ أي ومن بعد ذلك عذاب شديد أشد مما تقدم لا ينقطع ولا يفتر.