57.8
قوله تعالى: ﴿ وما لكم لا تؤمنون بالله ﴾؛ هذا استفهام إنكار؛ معناه: أي شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا بالله بعد قيام الحجة عليكم على وحدانية الله تعالى وتمام علمه وكمال ملكه، وأي عذر يمنعكم من الأيمان بالله تعالى، ﴿ والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم ﴾؛ في ظهر آدم بأن الله ربكم لا إله إلا هو ولا معبود سواه. وقيل: معنى: ﴿ أخذ ميثاقكم ﴾ ركب فيكم العقول وأقام الحجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
قرأ العامة (أخذ) بفتح الهمزة وفتح القاف، وقرأ أبو عمرو بضمها على ما لم يسم فاعله. قوله تعالى: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾؛ يعني إن كنتم مصدقين كما تزعمون.
57.9
قوله تعالى: ﴿ هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور ﴾؛ معناه: هو الذي ينزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم آيات بينات، يعني القرآن، ليخرجكم من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم. قوله تعالى: ﴿ وإن الله بكم لرءوف رحيم ﴾؛ يعني حين بعث الرسول ونصب الأدلة.
57.10
قوله تعالى: ﴿ وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموت والأرض ﴾ معناه: أي شيء لكم في ترك الإنفاق في نصرة الإسلام ومواساة الفقراء وأنتم ميتون تاركون أموالكم، والله سبحانه يرزقكم، ويرث ما في السماوات والأرض، يميت من فيهما ويرث من عليها.
قوله تعالى: ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ﴾؛ معناه: لا يستوي منكم في الفضل من أنفق ماله وقاتل العدو من قبل فتح مكة مع من أنفق من بعد وقاتل. قال الكلبي: (نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه) قيل: هذا أنه كان أول من أنفق المال على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله، وأول من قاتل في الإسلام. وقال ابن مسعود: (أول من أظهر إسلامه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أنفق ماله قبل الفتح).
قال العلاء بن عمرو:
" بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالس وعنده أبو بكر رضي الله عنه وعليه عباءة، قد خلها على صدره بخلال إذ نزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمد: ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة؟ فقال: يا جبريل إنه أنفق ماله قبل الفتح علي، قال: فأقرئه مني السلام وقل له: يقول لك ربك: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " يا أبا بكر؛ هذا جبريل يقرؤك السلام من الله تعالى، ويقول لك ربك: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ " فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال أعلى ربي أغضب؟! أنا عن ربي راض ".
وفي هذه الآية دلالة واضحة وحجة بينة على فضل أبي بكر وتقديمه على سائر الصحابة، كما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: (لا أؤتي برجل فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري).
قوله تعالى: ﴿ أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴾؛ معناه: أولئك أعظم ثوابا وأفضل درجة عند الله من الذين أنفقوا من بعد فتح مكة وقاتلوا بعده، وإنما فضل الله المنفقين والمقاتلين من قبل الفتح؛ لأن الإنفاق والقتال في ذلك الوقت كان أشد على النفس، وكانت الحاجة اليها أمس لقلة المسلمين.
ثم بين الله تعالى أن لكلا الفريقين الحسنى وهو الجنة، إلا أنهم متفاوتون في الدرجات فقال: ﴿ وكلا وعد الله الحسنى ﴾؛ أي وكلا الفريقين وعد الله الجنة، وقرأ ابن عامر (وكل) بالرفع على الاستئناف على لغة من يقول: زيد ضربت. وقوله تعالى: ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾؛ أي عالم بما يعمله كل واحد منكم.