46.28
قوله تعالى: ﴿ فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة ﴾؛ فهلا حين نزل بهم العذاب أعانهم الذين عبدوهم من دون الله ليقربوهم إلى الله في زعمهم، وقوله تعالى: ﴿ بل ضلوا عنهم ﴾؛ أي بل ما نفعوهم، وقوله تعالى: ﴿ وذلك إفكهم ﴾؛ أي إن دعاءهم آلهتهم هو إفكهم وافتراؤهم، ﴿ وما كانوا يفترون ﴾؛ يعني اتخاذهم الآلهة من دون الله هو كذبهم وافتراؤهم على الله أنها آلهة.
46.29-30
قوله تعالى: ﴿ وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ﴾؛ معناه: اذكر إذ وجهنا نفرا من الجن؛ وذلك
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما آيس من إسلام أهل مكة، خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام، فلما انصرف من الطائف راجعا إلى مكة ووصل بطن نخلة، قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر، فمر به نفر من أشراف جن نصيبين من اليمن فاستمعوا القرآن ".
قال ابن عباس: (كانوا تسعة نفر)، وقال الكلبي ومقاتل: (كانوا سبعة صرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليستمعوا منه وينذروا قومهم). وهو قوله تعالى: ﴿ يستمعون القرآن ﴾.
فلما انتهوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال بعضهم لبعض: اسكتوا حتى تستمعوا قراءته، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿ فلما حضروه قالوا أنصتوا ﴾؛ أي فلما فرغ من التلاوة قال بعضهم لبعض: اسكتوا حتى تستمعوا قراءته، وإنما قالوا ذلك لأنهم سمعوا شيئا لم يسمعوا مثله، فلما فرغ من القرآن انصرفوا إلى قومهم مخوفين لهم بالقرآن، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿ فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ﴾ ، أي فلما فرغ من التلاوة انصرفوا إلى قومهم منذرين؛ أي محذرين إياهم عذابا إن لم يؤمنوا، وهذا قاله سعيد بن جبير وجماعة من أئمة الخبر.
وقال آخرون: بل
" أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله، فقرأ عليهم القرآن، فصرف الله نفرا من الجن وجمعهم له، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة، فأيكم تبعني " فأطرقوا، فقال لهم مرة ثانية، فأطرقوا، فقال لهم مرة ثالثة، فاتبعه عبدالله بن مسعود، قال عبدالله بن مسعود: (لم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل النبي صلى الله عليه وسلم شعبا يقال له شعب الحجون، وحط لي ثم أمرني أن أجلس فيه، وقال: " لا تخرج منه حتى أدعو إليك ".
ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النور تهوي، وسمعت لفظا شديدا حتى خفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغشيته سودة كبيرة حالت بيني وبينه حتى ما سمعت صوته، ثم طفقوا يتقطعون أمثال قطع السحاب ذاهبين.
ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر، وقال: " أنمت؟ " قلت: لا والله؛ ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تفزعهم بعصاك تقول: " اجلسوا " فقال: " لو خرجت لم آمن عليك أن يختطفك بعضهم " ثم قال: " هل رأيت؟ " فقلت: نعم؛ رأيت رجالا سودا.
قال: " أولئك جن نصيبين، سألوني المتاع فمنعتهم بكل عظم حليل وروثة وبعرة " فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقذرها للناس علينا، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بالعظم والروث، فقلت: يا رسول الله صلى عليه وسلم وما يعني ذلك منهم؟ قال: " إنهم لا يجدون عظما إلا يجدون عليه لحمة يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت ".
فقلت: يا رسول الله سمعت لفظا كثيرا شديدا، قال: " إن الجن تدارت في قتيل قتل بينهم، فتحاكموا إلي فقضيت بينهم ". ثم قال لي رسول الله: " هل معك ماء؟ " فقلت: يا رسول الله معي نبيذ تمر في إداوة، فاستدعاه فصببت على يديه فتوضأ به وقال: " ثمرة طيبة وماء طهور " ".
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حيات وكلاب يحلون ويظعنون ".