قوله تعالى: ﴿ فلما حضروه قالوا أنصتوا ﴾ أي قال بعضهم لبعض: أنصتوا، فأنصتوا واستمعوا القرآن حتى كان يقع بعضهم على بعض من شدة رغبتهم في سماع القرآن، قوله تعالى: ﴿ فلما قضي ﴾ أي فلما فرغ من تلاوة القرآن، وقرأ لاحق ابن حميد (قضى) بفتح القاف والضاد يعني النبي صلى الله عليه وسلم؛ ثم جعل النبي صلى الله عليه وسلم أولئك النفر من الجن رسلا إلى قومهم.
وأسماء أولئك النفر: شاضر وماصر ومنشي وماشي والأحقب وعمرو بن جابر وزوبعة.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: (أن كان في نفر من أصحاب رسول الله يمشون، ورفع لهم إعصار، ثم جاء إعصار أعظم منه، ثم انقشع فإذا حية قتيل، فعمد منا رجل إلى ردائه فشقه وكفن الحية ببعضه ودفنها! فلما جن الليل إذا امرأتان تسألان: أيكم دفن عمرو بن جابر؟! فقلنا: ما ندري من عمرو بن جابر! فقالتا: إن كنتم ابتغيتم الأجر فقد وجدتموه، إن فسقة الجن اقتتلوا مع مؤمنيهم، فقتل عمرو بن جابر وهو الحية التي رأيتم وهو النفر من الجن الذين استمعوا القرآن).
وذكر: أن حية دخلت على رجل من التابعين وهي تلهث عطشى فسقاها، ثم إنها ماتت فدفنها، فأتي من الليل فسلم عليه وأخبر أن تلك الحية كانت رجلا من جن نصيبين اسمه زوبعة.
وبلغنا في فضائل عمر بن عبد العزيز أنه كان يمشي بأرض فلاة، فإذا حية ميتة فكفنها بفضلة من ردائه ودفنها، فاذا قائل يقول يا سرق اشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستموت بأرض فلاة فيكفنك ويدفنك رجل صالح، فقال من أنت رحمك الله؟ فقال رجل من الجن الذين استمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق منهم إلا أنا وسرق، وهذا سرق قد مات.
وقد قتلت عائشة رضي الله عنها حية رأتها في حجرتها تستمع وعائشة تقرأ فأتيت في المنام فقيل لها: إنك قد قتلت رجلا مؤمنا من الجن الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لو كان مؤمنا ما دخل على حريم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: ما دخل عليك إلا وأنت متقنعة، وما جاء إلا ليستمع الذكر، فأصبحت عائشة فزعة واشترت رقابا فأعتقتهم.
ويقال: الذين جاءوا ليستمعوا القرآن كانوا يهودا فأسلموا، ولذلك قوله تعالى: ﴿ قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ﴾.