تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مالك عندي غير سوط وحجر وغير كبداء شديدة الوتر جادت بكفي كان من أرمى البشر

أي بكفي رجل كان " الخ " ذكر الزمخشري وأبو حيان. قال مقيده عفا الله عنه أظهر هذه الأقوال عندي أن قوله ﴿ ومن ثمرات ﴾ يتعلق ب ﴿ تتخذون ﴾ أي تتخذون من ثمرات النخيل، وأن " من " الثانية توكيد للأولى. والضمير في قوله ﴿ منه ﴾ عائد إلى جنس الثمر المفهوم من ذكر الثمرات، والعلم عند الله تعالى. تنبيه اعلم - أن التحقيق على مذهب الجمهور أن هذه الآية الكريمة التي هي قوله جل وعلا ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب ﴾ النحل67 منسوخة بآية المائدة المذكورة. فما جزم به صاحب مراقي السعود فيه وفي شرحه نشر البنود من أن تحريم الخمر ليس نسخا لإباحتها الأولى بناء على أن إباحتها الأولى إباحة عقلية، والإباحة العقلية هي البراءة الأصلية، وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي، وهي ليست من الأحكام الشرعية. فرفعها ليس بنسخ. وقد بين في المراقي أنها ليست من الأحكام الشرعية بقوله -

وما من البراءة الأصلية قد أخذت فليست الشرعية

وقال أيضا في إباحة الخمر قبل التحريم -

أباحها في أول الإسلام براءة ليست من الأحكام

كل ذلك ليس بظاهر، بل غير صحيح.

لأن إباحة الخمر قبل التحريم دلت عليها هذه الآية الكريمة، التي هي قوله ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ﴾. الآية، وما دلت على إباحته آية من كتاب الله لا يصح أن يقال إن إباحته عقلية، بل هي إباحة شرعية منصوصة في كتاب الله، فرفعها نسخ. نعم! على القول بأن معنى السكر في الآية الخل أو الطعم أو العصير. فتحريم الخمر ليس نسخا لإباحتها، وإباحتها الأولى عقلية. وقد بينا هذا المبحث في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. فإن قيل الآية واردة بصيغة الخبر، والأخبار لا يدخلها النسخ كما تقرر في الأصول فالجواب - أن النسخ وارد على ما يفهم من الآية من إباحة الخمر، والإباحة حكم شرعي كسائر الأحكام قابل للنسخ. فليس النسخ واردا على نفس الخبر، بل على الإباحة المفهومة من الخبر. كما حققه ابن العربي المالكي وغيره. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ ورزقا حسنا ﴾ أي التمر والرطب والعنب والزبيب، والعصير ونحو ذلك. تنبيه آخر اعلم - أن النبيذ الذي يسكر منه الكثير لا يجوز أن يشرب منه القليل الذي لا يسكر لقلته. وهذا مما لا شك فيه. فمن زعم جواز شرب القليل الذي لا يسكر منه كالحنفية وغيرهم - فقط غلط غلطا فاحشا. لأن ما يسكر كثيره يصدق عليه بدلالة المطابقة أنه مسكر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول

" كل مسكر حرام "

وقد ثبت عنه في الصحيح صلى الله عليه وسلم أنه قال

" كل مسكر خمر، وكل خمر حرام "

ولو حاول الخضم أن ينازع في معنى هذه الأحاديث - فزعم أن القليل الذي لا يسكر يرتفع عنه اسم الإسكار فلا يلزم تحريمه. قلنا صرح صلى الله عليه وسلم بأن

" ما أسكر كثيره فقليله حرام "

وهذا نص صريح في محل النزاع لا يمكن معه كلام. وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام "

رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال حديث حسن. وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

" ما أسكر كثيره فقليله حرام "

رواه أحمد وابن ماجه، والدارقطني وصححه. ولأبي داود وابن ماجه والترمذي مثله سواء من حديث جابر. وكذا لأحمد والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وكذلك الدارقطني من حديث الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

" وعن سعد بن ابي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن قليل ما أسكر كثيره "

رواه النسائي والدارقطني وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده

" أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه قوم فقالوا يا رسول الله، إنا ننبذ النبيذ فنشربه على غدائنا وعشائنا؟ فقال اشربوا فكل مسكر حرام. فقالوا يا رسول الله، إنا نكسره بالماء؟ فقال " حرام قليل ما أسكر كثيره "

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٥٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٥٩٩