تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي رواية عند أحمد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسا ثم يصلي فيه. وفي رواية عن عائشة عند الدارقطني " كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابسا، وأغسله إذا كان رطبا " وعن إسحاق بن يوسف قال حدثنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء،

" عن ابن عباس قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المني يصيب الثوب فقال " إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة ".

قال صاحب منتقى الأخبار بعد أن ساق هذا الحديث كما ذكرنا رواه الدارقطني وقال لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك. قلت وهذا لا يضر. لأن إسحاق إمام مخرج عنه في الصحيحين، فيقبل رفعه وزيادته. قال مقيده عفا الله عنه ما قاله الإمام المجد رحمه الله في المنتقى من قبول رفع العدل وزيادته، هو الصحيح عند أهل الأصول وأهل الحديث كما بيناه مرارا، إلى غير ذلك من الأحاديث في فرك المني وعدم الأمر بغسله. وأما القياس العاضد للنص فهو من وجهين أحدهما - إلحاق المني بالبيض. بجامع أن كلا منهما مائع يتخلق منه حيوان حي طاهر، والبيض طاهر إجماعا. فيلزم كون المني طاهرا أيضا. قال مقيده عفا الله عنه هذا النوع من القياس هو المعروف بالقياس الصوري، وجمهور العلماء لا يقبلونه، ولم يشتهر بالقول به إلا إسماعيل بن علية. كما أشار له في مراقي السعود بقوله

وابن علية يرى للصوري كالقيس للخيل على الحمير

وصور القياس الصوري المختلف فيها كثيرة. كقياس الخيل على الحمير في سقوط الزكاة، وحرمة الأكل للشبه الصوري. وكقياس المني على البيض لتولد الحيوان الطاهر من كل منهما في طهارته. وكقياس أحد التشهدين على الآخر في الوجوب أو الندب لتشابههما في الصورة. وكقياس الجلسة الأولى على الثانية في الوجوب لتشبهها بها في الصورة. وكإلحاق الهرة الوحشية بالإنسية في التحريم. وكإلحاق خنزير البحروكلبه بخنزير البر وكلبه، إلى غير ذلك من صوره الكثيرة المعروفة في الأصول. واستدل من قال بالقياس الصوري - بأن النصوص دلت على اعتبار المشابهة في الصورة في الأحكام. كقوله

فجزآء مثل ما قتل من النعم

المائدة 95. والمراد المشابهة في الصورة على قول الجمهور. وكبدل القرض فإنه يرد مثله في الصورة. وقد استسلف صلى الله عليه وسلم بكرا ورد رباعيا كما هو ثابت في الصحيح. وكسروره صلى الله عليه وسلم بقول القائف المدلجي في زيد بن حارثة وابنه أسامة هذه الأقدام بعضها من بعض. لأن القيافة قياس صوري، لأن اعتماد القائف على المشابهة في الصورة.

الوجه الثاني من وجهي القياس المذكور - إلحاق المني بالطين، بجامع أن كلا منهما مبتدأ خلق بشر. كما قال تعالى

ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة

المؤمنون 12-13 الآية. فإن قيل هذا القياس يلزمه طهارة العلقة، وهي الدم الجامد. لأنها أيضا مبتدأ خلق بشر. لقوله تعالى

ثم خلقنا النطفة علقة

المؤمنون 14 والدم نجس بلا خلاف. فالجواب - أن قياس الدم على الطين في الطهارة فاسد الاعتبار، لوجود النص بنجاسة الدم. أما قياس المني على الطين فليس بفاسد الاعتبار لعدم ورود النص بنجاسة المني. وأما حجة من قال بأن المني نجس فهو بالنص والقياس أيضا. أما النص فهو ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت " كنت أغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء ". متفق عليه. قالوا غسلها له دليل على أنه نجس. وفي رواية عند مسلم

" عن عائشة بلفظ " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه ".

قال مقيده عفا الله عنه وهذه الرواية الثابتة في صحيح مسلم تقوي حجة من يقول بالنجاسة. لأن المقرر في الأصول أن الفعل المضارع بعد لفظة " كان " يدل على المداومة على ذلك الفعل، فقول عائشة في رواية مسلم هذه " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغسل " تدل على كثرة وقوع ذلك منه، ومداومته عليه، وذلك يشعر بتحتم الغسل. وفي رواية عن عائشة في صحيح مسلم أيضا أن رجلا نزل بها فأصبح يغسل ثوبه. فقالت عائشة إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه. فإن لم تر، نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا فيصلي فيه. اه قالوا هذه الرواية الثابته في الصحيح عن عائشة صرحت فيها بأنه إنما يجزئه غسل مكانه. وقد تقرر في الأصول في مبحث دليل الخطاب وفي المعاني في مبحث القصر أن " إنما " من أدوات الحصر. فعائشة صرحت بحصر الإجزاء في الغسل. فدل ذلك على أن الفرك لا يجزىء دون الغسل، إلى غير ذلك من الأحاديث الدلة على غسله. وأما القياس - فقياسهم المني على البول والحيض، قالوا ولأنه يخرج من مخرج البول، ولأن المذي جزء من المني. لأن الشهوة تحلل كل واحد منهما فاشتركا في النجاسة. وأما حجة من قال أنه نجس، وإن يابسه يطهر بالفرك ولا يحتاج إلى الغسل فهي ظواهر نصوص تدل على ذلك، ومن أوضحها في ذلك حديث عائشة عند الدار قطني الذي قدمناه آنفا " كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابسا، وأغسله إذا كان رطبا ".

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٥٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٥٩٥