تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

74.14-16

قوله تعالى: ﴿ ومهدت له تمهيدا ﴾؛ أي بسطت له في العيش وطول العمر بسطا، ﴿ ثم يطمع أن أزيد ﴾؛ معناه: ثم يطمع أن أزيد له في المال والولد، وقد كفر بي وبرسولي، ﴿ كلا ﴾ ، لا أزيده، لم يزل الوليد بعد هذا في نقصان من المال والحال حتى صار يسأل الناس ومات فقيرا. وقوله تعالى: ﴿ إنه كان لآياتنا عنيدا ﴾؛ معناه: إنه كان لكتابنا ورسولنا معاندا، والعنيد: الذاهب عن الشيء على طريق العداوة، والجمل العنود: هو الذي يمر على جانب من القطار.

74.17

أي سأكلفه في النار ارتقاء الصعود، وهو جبل من صخرة ملساء في النار، يكلف الكافر أن يرتقيه حتى إذا بلغ أعلاه في أربعين عاما، كلما وضع يده عليه ذابت، وإذا رفعها عادت. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" الصعود جبل من نار، يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي كذلك منه أبدا، كلما وضع يده عليها ذابت وإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت وإذا رفعها عادت، وكلما بلغ أعلى ذلك الجبل انحدر إلى أسفله، ثم يكلف أيضا أن يصعد، فذلك دأبه أبدا يجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد مسافة كل صعود أربعون سنة ".

74.18-19

قوله تعالى: ﴿ إنه فكر وقدر ﴾؛ معناه: إنه فكر في أمر النبي صلى الله عليه وسلم في احتياله للباطل، وقدر القول فيه، وقيل: معناه: تفكر ماذا تقول في القرآن؟ وقدر القول في نفسه، وذلك أنه لما نزل قوله تعالى:

حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير

[غافر: 1-3] قام رسول الله صلى الله عليه وسلم والوليد بن المغيرة قريبا منه يستمع قراءته، فلما نظر النبي صلى الله عليه وسلم استماعه إلى قراءته عاد إلى قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم وقال: والله لقد سمعت من محمد الآن كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة ولطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى.

ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: صبأ والله الوليد، والله لتصبأن قريش كلها، وكان يقال للوليد ريحانة قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، ثم انطلق فقعد إلى جنبه حزينا، فقال له الوليد: ما لي أراك حزينا يا ابن أخي؟ قال: وما لي لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كبر سنك، يزعمون أنك زينت كلام محمد وتدخل إليه وإلى أبن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهم. فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالا وولدا؟ وهل يشبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل؟

ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه، فقال لهم: إن الموسم قد دنا، وقد فشا أمر هذا الرجل في الناس، فما أنتم قائلون لمن سألكم عنه؟ قالوا: نقول إنه مجنون؛ قال: إذا يخاطبونه فيعلمون أنه غير مجنون. فقالوا: نقول إنه شاعر؛ قال: العرب يعلمون الشعر ويعلمون أن الذي جاء به غير الشعر. فقالوا: نقول إنه كاهن؛ فقال: إن الكاهن يصيب ويخطئ ولا يقول في كهانته: إن شاء الله، وهذا يقول في كلامه: إن شاء الله، وقوله لا يشبه قول الكهنة. فقال بعضهم لبعض: قد صبأ الوليد، فإن صبأ فلم يبق واحد من قريش إلا صبأ.

فقيل له: كيف تقول أنت يا أبا المغيرة في محمد، فتفكر في نفسه ثم نظر، ثم عبس وقال: ما هو إلا ساحر ما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه بسحره، ألا ترون أنه يفرق بين المرء وزوجه، فإن المرأة تكون معنا ويكون زوجها معه! فتفرقوا على هذا القول.

ومعنى الآية: إنه فكر لمحمد بتهمة يتعلق بها في تكذيبه، وقدر لينظر فيما قدره أستقيم له أن يقوله أم لا؟ قوله تعالى: ﴿ فقتل كيف قدر ﴾؛ أي لعن وعذب على أي حال قدر من الكلام، كما يقال: لأعرفنه كيف صنع إلي على أي حالة كانت منه.

التفسير الكبير · الصفحة ٢٠٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٢٠٩٠