59.10
قوله تعالى: ﴿ والذين جآءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ﴾؛ يعني التابعين وهم الذين جاءوا بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، قال ابن عمر: (هؤلاء هم التابعين بالإحسان إلى يوم القيامة). قال ابن أبي ليلى: (الناس على ثلاثة منازل: الفقراء، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجهد أن لا تكون خارجا من هذه المنازل).
ثم ذكر الله تعالى أن هؤلاء التابعين يدعون لأنفسهم وللسلف الذين سبقوهم، فقال تعالى ﴿ يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنآ إنك رءوف رحيم ﴾؛ أي لا تجعل في قلوبنا غشا وحسدا وبغضا وحقدا للمؤمنين، فكل من لم يترحم على جميع الصحابة وكان في قلبه غل لهم على أحد منهم كان خارجا من أقسام المؤمنين؛ لأن الله رتب المؤمنين على ثلاث مراتب: المهاجرين، والأنصار، والتابعين إلى يوم القيامة.
59.11-12
قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا ﴾؛ يعني عبدالله بن أبي وأصحابه، ومعنى ﴿ نافقوا ﴾ أي أظهروا خلاف ما أضمروا، ﴿ يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾؛ وهم بنو قريظة وبنو النضير، سماهم إخوانهم لأنهم كفار مثلهم.
قوله تعالى: ﴿ لئن أخرجتم ﴾؛ أي لئن أخرجتم من دياركم؛ أي لغربة ﴿ لنخرجن معكم ﴾؛ أي لا نساكن محمدا، ﴿ ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ﴾؛ ولا نطيعه على قتالكم، ﴿ وإن قوتلتم لننصرنكم ﴾؛ فإن قاتلكم محمد وأصحابه، لنعاوننكم عليه حتى تكون أيدينا يدا واحدة في المقاتلة حتى نغلبهم، وعدوهم أنهم ينصرونهم، فكذبهم الله في ذلك بقوله تعالى: ﴿ والله يشهد إنهم لكاذبون ﴾ في مقاتلتهم، وقد بان كذبهم في ما نزل ببني النضير من الجلاء وفيما أصاب بني قريظة من القتل.
ثم ذكر الله أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر، فقال تعالى: ﴿ لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ﴾؛ فكان الأمر على ما ذكر الله تعالى؛ لأنهم أخرجوا من ديارهم فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فلم ينصرونهم أظهر الله كذبهم وأبان صدق ما قال الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿ ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون ﴾؛ معناه: ولئن قدر وجود نصرهم؛ لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده، قال الزجاجي: (معناه: لو قصدوا نصر اليهود لولوا الأدبار مهزومين). ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ يعني بني النضير لا يصيرون منصورين إذا انهزم ناصروهم.