تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال أنس رضي لله عنه: (أهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوية وكان مجهودا، فقال: لعل جاري أحوج إليه مني، فبعث به إليه، ثم إن جاره قال مثل ذلك، فوجه به إلى جار له، فتداوله تسعة أنفس حتى رجع إلى الأول، فأنزل الله تعالى: ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ ).

ويحكى عن أبي الحسن الأنطاكي: أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية من قرى الري ومعهم أرغفة قليلة لم تشبع جوعتهم، فكسروا الرغفان وأطفأوا السراج وجلسوا ليأكلوا، فلما رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد إيثارا لصاحبه على نفسه.

ويحكى عن حذيفة العدوي قال: (انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من ماء، فإذا أنا به فقلت: أسقيك؟ فأشار: أي نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي أن انطلق به إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: آه، فأشار هشام: أن انطلق به إليه، فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات).

ويحكى عن أبي يزيد البسطامي قال: " ما غلبني إلا شاب من أهل بلخ قدم علينا حاجا، فقال لي: يا أبا يزيد ما حد الزهد عندكم؟ قلت: إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا. قال: هكذا عندنا كلاب بلخ! فقلت: ما حد الزهد عندكم؟ قال: إذا فقدنا صبرنا، وإذا وجدنا آثرنا). وسئل ذو النون عن الزهد فقال: (ثلاث: تفريق المجموع، وترك المفقود، والإيثار عند القوت).

قوله تعالى: ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾؛ أي من يدفع عنه غائلة نفسه وحرص النفس حتى تطيب نفسه بذلك، فأولئك هم الناجون السعداء، الباقون في الآخرة. والشح في الآخرة: منع النفع، وأما في الدنيا فهو منع الواجب، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" برئ من الشح من أدى زكاة ماله، وأقرى الضيف، وأعطى في النائبة "

وقال سعيد بن جبير: (شح النفس هو أخذ الحرام ومنع الزكاة).

وجاء رجل إلى عبدالله بن مسعود فقال: لقد خفت أن لا تصيبني هذه الآية ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ والله ما أقدر أعطي شيئا أطيق منعه، فقال عبدالله: (إنما ذلك البخل وبئس الشيء البخل، ولكن الشح أن تأخذ مال أخيك بغير حقه).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا يجتمع الشح والإيمان في قلب رجل مسلم، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف مسلم قط ".

واختلف العلماء في الشح والبخل، فقال بعضهم: هما واحد، وهو منع الفضل. وقال بعضهم: بينهما فرق، والبخل أن يبخل الرجل بما في يده، والشح أن يبخل بما في أيدي الناس.

وعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" اتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم أن سفكوا الدماء واستحلوا محارمهم ".

وعن أبي الهياج الأسدي قال: " كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلا يقول: اللهم قني شح نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له في ذلك، فقال: إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن، وإذا الرجل عبدالرحمن بن عوف).

ويحكى أن كسرى قال لأصحابه ذات يوم: أي شيء أضر بابن آدم؟ قالوا: الفقر، فقال كسرى: والشح أضر من الفقر؛ لأن الفقير إذا وجد شبع، وإن الشحيح لا يشبع أبدا.

التفسير الكبير · الصفحة ١٩٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٩٨٥