تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

59.8

قوله تعالى: ﴿ للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ﴾؛ معناه: كي لا يكون دولة بين الأغنياء، ولكن يكون للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم، يعني أن كفار مكة أخرجوهم، ﴿ يبتغون فضلا من الله ﴾؛ أي رزقا يأتيهم، ﴿ ورضوانا وينصرون الله ورسوله ﴾؛ رضى ربهم حين خرجوا إلى دار الهجرة ينصرون الله ورسوله، ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾؛ في إيمانهم.

والمعنى بقوله ﴿ للفقرآء المهاجرين ﴾ بيان المحتاجين المذكورين في الآية التي قبل هذه الآية، كأنه قال: لهؤلاء الفقراء المحتاجين ما تقدم ذكره من الفيء، وكانوا نحوا من مائة رجل، وكانوا شهدوا بدرا أجمعين، ولذلك أثنى الله عليهم بقوله ﴿ يبتغون فضلا من الله ورضوانا ﴾ أي يطلبون بتلك الهجرة ثواب الله ورضوانه، وينصرون بالسيف والجهاد أولياء الله وأولياء رسوله، ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ في الإيمان وطلب الثواب.

59.9

قوله تعالى: ﴿ والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ﴾؛ قال الكلبي: ( ﴿ والذين تبوءوا الدار ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿ يحبون ﴾ ). وهذا ثناء على الأنصار،

" وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أعطى المهاجرين ما قسم لهم من فيء بني النضير لم يأمن على غيرهم أن يحسدهم إذ لم يقسم لهم.

فقال للأنصار: " إن شئتم قسمتم لهم من دوركم وأموالكم، وقسمت لكم ما قسمت لهم، وإما أن يكون لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم " فقالوا: لا؛ بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في قسمهم. فأثنى الله تعالى عليهم بهذه الآية ".

والمعنى: لزموا دار الهجرة ولزموا الإيمان من قبل هجرة المهاجرين ووطنوا منازل أنفسهم، فهم يحبون من هاجر إليهم من مكة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ ولا يجدون في صدورهم حاجة ﴾؛ ضيقا وحسدا، ﴿ ممآ أوتوا ﴾؛ مما أعطي المهاجرين من الغنائم.

ومعنى الآية: ﴿ والذين تبوءوا الدار ﴾ يعني المدينة، وهي دار الهجرة، وتبوأها الأنصار قبل المهاجرين. وتقدير الآية: والذين تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان؛ لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين، وعطف (الإيمان) على (الدار) في الظاهر لا في المعنى؛ لأن الإيمان ليس بمكان تبوء. والتقدير: وآثروا الإيمان واعتقدوا الإيمان.

قوله تعالى: ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾؛ معناه: ويؤثرون المهاجرين على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، ولو كان بهم فقر وحاجة إلى الدار والنفقة، بين الله أن إيثارهم لم يكن عن غنى عن المال ولكن عن حاجة، فكان ذلك أعظم لأجرهم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

" جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني جائع فأطعمني؟ فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد أزواجه: " هل عندكن شيء؟ " فكلهن قلن: والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء، فقال صلى الله عليه وسلم: " ما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يطعمك هذه الليلة " ثم قال: " من يضيف هذا هذه الليلة رحمه الله؟ ".

فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله، - قال في صحيح مسلم: هو أبو طلحة، وقيل: أبو أيوب، والضيف أبو هريرة - فمضى به إلى منزله، فقال لأهله: هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرميه ولا تدخري عنه شيئا، فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية، قال: قومي فعلليهم عن قوتهم حتى يناموا، ثم أسرجي وأحضري الطعام، فإذا قام الضيف ليأكل قومي كأنك تصلحين السراج فأطفئيه، وتعالي نمضغ السنتنا لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يشبع.

فقامت إلى الصبية فعللتهم حتى ناموا ولم يطعموا شيئا، ثم قامت فأسرجت، فلما أخذ الضيف ليأكل قامت كأنها تصلح السراج فأطفأته، وجعلا يمضغان ألسنتهما، فظن الضيف أنهما يأكلان معه، فأكل الضيف حتى شبع، وباتا طويين. فلما أصبحا غدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر إليهما تبسم ثم قال: " لقد عجب الله من فلان وفلانة هذه الليلة فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ ".

التفسير الكبير · الصفحة ١٩٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٩٨٤