فيه نظما ونقدا في سن الشباب، وكان يعدو في أثر شوقي حتى خرج من الإهاب،
وماذا فعل في وحي الأربعين؟ إنه لم يأت بمعجز لم يسبق إلى مثله، ولم يحدث أدنى
تأثير صالح في قومه ولا في أمته، ولم يقل المعتدلون فيه: إنه لحق شوقي ولا حافظا
فيه.
وأما محمد صلى الله عليه وسلم فلم يتعلم شيئا ولم يحاول بيانا ولم ينتحل
علما، حتى جاء بهذا القرآن في سن الكهولة وهو ما وصفنا في كتاب الوحي
في إعجازه العلمي والبياني وفي تشريعه، ولا في التأثير الذي قلب نظام العالم،
وما ذكرته فيه من آياته العلمية الدالة على أنه من عند الله لا من علم محمد
صلى الله عليه وسلم قسمان: (أحدهما) المقاصد العشر التي جعلتها من
موضوع التحدي (وثانيهما) ما جاء في عرض الكلام كأنباء الغيب المستقبلة
في بحث امتياز نبوة محمد على نبوة أنبياء بني إسرائيل، فهي لم تكن
موضوعا مستقلا سيق لإثباته بالدلائل، والرد على ما يرد عليه من منكر أو
مجادل، والأستاذ العقاد لم يفرق بين القسمين، ولم يتذكر ما لا يخفى عليه من
أن الشواهد والأمثال لا تقرن بالاستدلال عليها، والرد على ما يحتمل من
وقوع الشك فيها، بل اشتهر عند علماء المناظرة وآداب البحث قولهم: (البحث في
المثل ليس من دأب المحصلين) .
ولكن كبر عليه أن يكتب عن هذا الكتاب شيئا ويتركه بدون انتقاد، وأن
يكون انتقاده خلوا من الانتقاص والاستعلاء، كدأبه في انتقاد الشعراء
والأحزاب، أو كل من لم يأخذ علمه عن الفرنجة حتى علم القرآن، الذي يعلو
على علومهم بما يقاس بسني النور لا بالأمتار أو الأميال.
نظر إلى كتاب الوحي المحمدي ومؤلفه بالعين التي نظر بها إلى أحمد
شوقي وشعره من قبل، وأين أودية الشعر من سماء الوحي؟ وأين تشميره في
قرض الشعر من تقصيره في علوم الوحي؟ نظر بتلك العين الخاسئة فرأى فيه
نقصين يقعدان به عن بلوغ الغاية في هذه البحث، قال: وقد يتخلصان في
نقص واحد وهو قلة البصر بالمنطق النفسي، ونقول: إنما صوره أو سوله له
حسر بصره بالمنطق العقلي.
إن اختراع النقائص وقذف الناس بها أمر سهل على الشعراء وكتاب
السياسة، ولكن إقامة الدليل المنطقي عليها حزن أي حزن إلا أن يكون كدليلي
الأستاذ العقاد على ما أنكر في تاريخ الأستاذ الإمام أعني عليه لا له [6] وانظر
ماذا قال في بيان نقيصتيه اللتين تجرم علينا فقذفنا بهما:
قال: (كان الواجب على الأستاذ رشيد في كتاب (الوحي المحمدي) أن
يقيم الحد الفاصل بين علم الأنبياء بالغيب وبين علم الآخرين به على وجه من
الوجوه الإنسانية المعهودة، فما من سبيل إلى التفريق بين العلمين إلا بإقامة
ذلك الحد على أساس مكين) .
إن هذه العبارة مبهمة مجملة تحتمل عدة تأويلات أقربها أن عقيدة كاتبها
أو فهمه للنبوة والوحي وعلم الغيب غير عقيدة الموجهة إليه، ولا يتسع هذا
النقد الوجيز لتفصيل هذا، فننتقل منه إلى المثال الذي فسره به، وخلاصته أنه
إذا قام رجل فقال للناس: إن الألمان انتصروا على الفرنسيس ولكنهم
سينهزمون بعد زمن قريب، فهذا الخبر يحتمل الصدق والكذب حتى يترجح
أحدهما على الآخر، وذكر لاحتماله للصدق وجوها أولها الوحي والإلهام (؟)
وآخرها المصادفة.
ونحن نقول (أولا) : كان يجب على الأستاذ عباس أن يطلع قبل هذا الحكم
على ما كتبه محمد رشيد في تفسيره ومناره وغيرهما في مباحث علم الغيب
وتقسيمه إلى غيب حقيقي وغيب إضافي، وحكمه بأن من الثاني ما يمكن أن يعرفه
بعض البشر بالطرق العلمية والتجارب ومنها التنويم المغناطيسي أو الرياضة
النفسية كمكاشفات الصوفية إلخ، ومنها ما يمكن تأويله من أخبار القرآن الغيبية وما
لا يمكن تأويله كالذي تراه في تفسير سورة التوبة في بيان أحوال المنافقين. وإذن
لعلم أن ما عده عليه من الجهل هو عنده من البديهيات.
و (ثانيا) إن الخبر الذي قال العلماء: إنه يحتمل الصدق والكذب قد قيدوه