في معظم الأحيان مفتوحا على مصراعيه.
فلقد كان الواجب الأول على الأستاذ رشيد في كتاب (الوحي المحمدي)
أن يقيم الحد الفاصل بين علم الأنبياء بالغيب وبين علم الآخرين به على وجه
من الوجوه الإنسانية المعهودة، فما من سبيل إلى التفريق بين العلمين إلا
بإقامة ذلك الحد على أساس مكين.
مثال ذلك: إذا قام رجل فقال للناس: إن الألمان انتصروا على الفرنسيين
ولكنهم سينهزمون بعد زمن قريب فهذا الخبر يحتمل الصدق والكذب حتى
يترجح أحدهما على الآخر.
فإذا كان صاحبه صادقا فربما هداه إليه الوحي والإلهام، وربما هداه إليه
الحساب الدقيق والتقدير الصحيح، وربما هداه إليه العلم من المطلعين على
أسرار الدول العارفين بما تستطيعه وما تنويه، وربما هداه إليه التمني
والرغبة كما يتمنى المرء النجاح فيعتقد أنه سينجح ويأبى أن يصدق ما عدا
هذه الأمنية.
وربما كان صدقه مصادفة لا أثر فيها للإلهام أو للحساب أو للعلم أو
للتمني والرغبة وربما ظهر صدقه للناس؛ لأن عبارته تقبل التأويل، فيفسر
بعضهم المقصود من النصر والمقصود من الهزيمة والمقصود من المنتصرين
والمنهزمين على تفسيرات يجوز فيها الخلاف.
أما إن كان الخبر كاذبا ففي العلم بكذبه مجال للاحتمال يشبه هذا المجال
فإذا جعل الباحث كل خبر صادق دليلا على نبوءة فهو لا يخدم النبوءة بهذا
البرهان، ولكنه يفتح الباب لمن يخبرون ببعض الأشياء فيصدق خبرهم من
طرق المصادفة او من طريق آخر غير طريق الوحي والإلهام.
وإنما السداد في الأمر أن ينفي الكتاب كل احتمال غير احتمال الوحي،
وأن يكون نفيه مدعوما بالبرهان الذي لا شبهة فيه عند المصدقين وغير
المصدقين، ومن ثم يقيم الحد بين الحقيقة والدعوى وبين الإيمان والإنكار.
والشيخ رشيد قد فاته أن يصنع هذا في مواضع كثيرة، فليته يعقد العزيمة على
تدارك ما فاته في طبعة ثانية، ولو استعان عليه بمن يقدرون على عونه،
وليس اقتراحا أن يتدارك النقص يمانع شكره على ما بلغ من تمام وأسدى من
فائدة.
... ... ... ... ... ... ... ... ... عباس محمود العقاد
***
الرد على العقاد
(المنار)
إن الأستاذ العقاد، كاتب أديب سياسي نقاد، غلبته على العلم ملكة الخيال
الشعري والجدل السياسي، وعلمه بالدين ضعيف، واطلاعه فيه قليل جدا كأمثاله
ممن تعلموا في المدارس العصرية كفريد أفندي وجدي، بل هو يستمد من هذا على
ما حكم به على مبلغ علمه، وهو على هذا لم يقرأ كتاب (الوحي المحمدي) كله،
ولو قرأه بدقة وتأمل لكان حكمه عليه أصح مما كتبه أو لما انتقص مؤلفه بغير علم،
وإن كان قوي الجرأة على النقد بمجرد الشبهة، والحكم بغير حجة، والاستدلال
بالقضايا الجزئية والمهملة التي لا يصح تأليف البراهين المنطقية منها على الكليات،
كما فعل في انتقاده لكتاب (تاريخ الأستاذ الإمام) وقد بينت هذا في مقال حللت فيه
علمه وآراءه وأخلاقه تحليلا أصح وأعدل مما حكم به علي في نقده هذا وفي نقده
لتاريخ الأستاذ الإمام، وسأنشره في جزء آخر إن اقتضت الحال.
لو أنه قرأ الكتاب كله قراءة إمعان لعلم أنه ليس من موضوعه بسط كل
مسألة تذكر فيه، ولا شرح كل شاهد من شواهده وجعلهما غرضا للنضال،
والدفاع عنهما بفرض الفروض الجدلية وضروب الاحتمال، وإنما موضوعه إثبات
النبوة بالقرآن ودفع ما زعمه بعض منكري عالم الغيب من أنه وحي فائض من
النفس لا من الله تعالى.
وخلاصته أن القرآن فاق كلام العرب وأعجز البشر بمزايا لفظية ومعنوية
يستحيل أن تكون من مقدور محمد الأمي بعد استكمال الأربعين كديوان (وحي
الأربعين) الذي هجس به شيطان الشعر للأستاذ العقاد بعد استكمال هذه السن، وسائر
ما نظم الشعراء وألف العلماء فيها، فإن العقاد (مثلا) تعلم مبادئ علوم العصر
ودرس الأدب وظهر فيه الاستعداد للشعر، وكذا النثر في سن الصبا، وقويت ملكته