تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بقولهم: (لذاته) أي بصرف النظر عما يقترن به من الدليل على أحدهما، فخبر

الأنبياء عند المؤمنين بهم لا يحتمل إلا الصدق، وقد أقمنا الدليل على نبوة محمد

صلى الله عليه وسلم بغير إخباره بالغيب فوجب حمل خبره به الثابت عنه على

الصدق فقط، على أن أصل كلامنا في أخبار الغيب في كتاب الوحي المحمدي

خاص بما جاء منه في القرار، وهو كلام الله تعالى وأقمنا الدلائل على كونه كلامه

عز وجل من عدة وجوه غير إخبار الغيب فلا يصح أن يقال بها مصادرة لأن إثبات

كل منهما متوقف على الآخر.

(وثالثا) إذا كان الأستاذ العقاد يرى أن مثل قوله تعالى: {غلبت الروم *

في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين} (الروم: 2-

4) يحتمل مثل ما ذكر من الفروض والشكوك عند غير المؤمن بالقرآن، فسيعلم

أن من أخبار الغيب فيه ما لا يحتمل مثل ذلك إلا بضرب من مكابرة العقل أو

الوجدان ومنها زعم المادي أن كل ما وراء المادة لا يدخل في حدود الإمكان، فكل

ما يعجز عن تعليله بالفروض المادية والاحتمالات المخترعة، فعليه أن يرضى

بعجزه عن فهمه، لا يجوز له أن يؤمن بأنه من الله عز وجل.

ومهما يكن من شيء بعد، فإن من الغريب من مثله أن يطالب مؤمنا بالغيب

والأنبياء أن يقيم حدا فاصلا بين علم الأنبياء وعلم غيرهم أو علم الخالق وعلم

المخلوق بالصفة التي وصفها، وهو ما يعجز عن مثله الفلاسفة وعلماء المادة في

علمهم الذي لا قنون بشيء منه.

وأما الممكن من ذلك فقد بينته في مواضعه بما قضته المناسبة ووسعه السياق،

وقد وعدت بعقد فصل خاص في الشواهد عليه من الآيات والأحاديث النبوية في

الجزء الثاني من كتاب الوحي المحمدي؛ إذ عجز الجزء الأول عن العلاوت التي

كلفته حملها.

* * *

كلمة للأستاذ محمد لطفي جمعة المحامي

الكاتب الخطيب المصنف الشهير

نشرت في جريدة البلاغ في23 جمادى الأولى سنة 1352 الموافق 13

سبتمبر سنة 1933.

الوحي المحمدي كتاب من تأليف العالم العلامة السيد محمد رشيد رضا منشئ

المنار الأغر، وغاية المؤلف ثبوت النبوة بالقرآن، ودعوة شعوب المدنية إلى

الإسلام.

وقد صدرت الطبعة الأولى منه في يوم المولد النبوي الشريف سنة 1352

الموافق يوليو (تموز) سنة 1933 م وهو في مئتي صفحة من القطع الكبير.

وفي الحق أنه كتاب جليل يلفت الأنظار بما أورده الأستاذ مؤلفه من الأدلة

العقلية والحجج النقلية بوضوح وجلاء على طريقة حديثة لم تسبق للمؤلفين في

المسائل الدينية إلا للأستاذ العلامة محمد فريد وجدي مما دلنا على تطور مبارك في

أسلوب السيد رشيد الذي كان يجاري المؤلفين القدماء كنقله قول أحد علماء

النصارى للمؤلف:

(أنت تعجب بمحمد وتعتقد بأنه نبي مرسل، وأنا أعجب به وأعتقد أنه

رجل عظيم فتقديري له أعظم من تقديرك)

وقد حاول الأستاذ الفاضل إثبات الوحي بالمعجزات بأدلة منطقية فجاء موفقا

في كثير من بحوثه وتكلم في درس علماء الإفرنج للسيرة المحمدية وشهادتهم بصدقه

ونفي شبهة منكري عالم الغيب على الوحي، وأظهر أن نبوة محمد ورسالته قائمتان

على قواعد العلم والعقل في ثبوتها وموضوعها؛ لأن البشر في عهد النبي قد بدءوا

يدخلون في سن الرشد والاستقلال النوعي الذي لا يخضع عقل صاحبه فيه لاتباع

من تصدر عنهم أمور عجيبة مخالفة للنظام المألوف في سنن الكون، بل لا يكمل

ارتقاؤهم واستعدادهم بذلك بل هو من موانعه، فجعل حجة نبوة خاتم الأنبياء عين

موضوع نبوته وهو كتابه المعجز للبشر بهدايته وعلومه وإعجازه اللفظي والمعنوي،

ليربي البشر على الترقي في هذا الاستقلال إلى ما هم مستعدون له من الكمال.

ثم خلص الأستاذ إلى الكلام على القرآن فتكلم عن إصلاح أركان الدين التي

أفسدها الغير، وهي الإيمان بالله وعقيدة البعث والجزاء والعمل الصالح. ثم جعل

لبحوث القرآن عشرة مقاصد كلها منطبقة على المنطق والعقل وحسن التعليل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٣٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٣٠٧