قضاياه، فيفريها بالحجة فريا، ويضغمها بالدليل الحاسم ضغما! فما يدع
لأصحابها متنفسا، ولا يجيز لمتنزي الإلحاد مضطربا.
ولقد قال الكتاب في محمد صلى الله عليه وسلم وفي الوحي وفي القرآن
وفي أثره في العالم. وفي معجزات الأنبياء وفي حاجة العلم إلى الدين. وفي
كثير غير ذلك مما ينسق للغرض، ويتجلى به وجه الحجة، فكفى وشفى،
وبلغ من الإحسان والإجمال غاية المدى.
وليس من شأن هذا المقال أن يدل على مواضع الإجادة في أبواب الكتاب،
بله كل فصل من كل باب. فذلك مما يخرج عن طوق سابغ المقالات، على
أن في الكتاب مقامات صلصل فيها البيان الديني أي مصلصل، ولقد يكاد
يتحول حسك وأنت تطالعها من البصر إلى السمع، حتى يخيل إليك أنك تسمع
صرير القلم. ويحضرك في هذا المعنى قول المتنبي أيضا:
كالحظ يملأ مسمعي من أبصرا
ولا شك في أن من هذه المقامات الرائعة قول الكتاب في أسلوب القرآن
الخاص وإعجازه به، وحكمة التكرار فيه. ولقد وقع في هذا الغرض على
حكم لم أقع عليها في كتب من تقدمه. على أن المؤلف على عادته. لقد أسرع
فكاثر بهذا في الفهرس؛ إذ قال عند الإشارة إلى هذا الفصل (وهو ما لم يسبق
لأحد بيانه) .
ومن المقامات البارعة في الكتاب القول في معجزات الأنبياء، والفرق
بينها وبين كرامات الأولياء، والحد بينهما وبين شعوذة المشعوذين، وآثار
رياضة المرتاضين، فلقد جمع في هذا الباب بين ما أثر في الشرع وما يجري
به سنن الكون، في لباقة وحسن تعليل، وجودة تفسير وبراعة وتأويل.
ومن هذه المقامات التي تخلب وتروع ما أقام هذا الكتاب من ناصع الحجة
على إيفاء الشرع المحمدي على الغاية في تقرير أعلى القواعد وأضبطها للإصلاح
الاجتماعي والمالي والسياسي. ويدخل في هذا الباب العلاقات الدولية، ونظم
الحروب وغير ذلك مما يكفل صلاح البشر كافة، ويتضمن رقي المجتمع الإنساني
وبلوغه في أسباب الحضارة تلك المنزلة التي تخيلها أئمة الحكماء ودعاة الإصلاح
من قديم الزمان.
ولقد عرض الكتاب غير هذا لمزايا الإسلام وحكم أحكامه سواء في
العبادات أو في الأسباب الدائرة بين الناس، وبين جهة ارتفاعها على أن تكون
من شرع البشر، وأنها أجمع وأكفى، وأكمل وأوفى من كل ما سن الخلق من
النظم. بل من كل ما تنزل من الشرائع على جميع الرسل السابقين، عليهم
صلوات الله أجمعين.
وكل ذلك أجراه المؤلف على أسلوب منطقي سليم خال من الإسراف ومن
الشعر والتخييل.
ومما يزيد من قدر هذا الكتاب أن كثيرا مما جلا واستظهر من القضايا مبتكر
لم يسبق. على أنه لم يكن أقل براعة فيما نقل أو اقتبس. فلقد كان حق لبق في
إلحاق كل شيء ببابه، وإقرار كل أمر في نصابه، إلى حضور الشاهد من كتاب
الله تعالى وما صح من حديث رسوله صلى الله عليه وسلم وما أثر عن الثقات من
أئمة الإسلام ومن شهادات علماء الإفرنج أيضا. ومهما يكن من شيء فالكتاب في
الجملة مما لا يطاول في بابه، بل لا أحسبني مسرفا إذا زعمت أنه يمكن أن يعد
بحق من إحدى حجج الإسلام.
ولقد بدت لي وأنا في بعض الكتاب طائفة من الملاحظات يرجع بعضها إلى
الطبع، وبعض إلى شيء من الغموض في قليل من المواضع، ويرجع بعض إلى
كثرة الإحالات إلى المراجع المختلفة ونحو ذلك، على أنها كلها ثانوي لا يحط من
شأن الكتاب ولا يغض من قدره، على أن من دلائل التوفيق أن التقيت مصادفة
بالأستاذ السيد رشيد، وأفضيت إليه بهذا الذي عددت على كتابه، فوعدني راضيا
مغتبطا بأنه مستدرك كل ما يجمل استدراكه إن شاء الله في الطبعة الثانية [2]
ولعلها قائمة الآن فليس لي إلا أن أشكره. وإلا (سقط ههنا بعض حروف
الأصل المطبوع) أن أري من التجني المحقور بعد ذلك بسط ما بدا لى من تلك
المآخذ المبينة في مقال منشور.
وبعد: فليس يعني أن أختم هذا الكلام دون أن أبادي المؤلف الفاضل
وجمهرة قارئي الوحي المحمدي بأمرين: الأول أنني أتحفظ عن إبداء الرأي -