تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا صح هذا التعبير - عما أصاب في الكتاب من حديث الاجتهاد والتقليد، ولو

قد فصل الكلام في هذا الباب لما تعذر علي إبداء الرأي بمشايعته أو إظهار

الخلاف له فيما عسى أن يذهب إليه من الأحكام.

أما الثاني فلقد هتف المؤلف في بعض الكتاب بالعلماء (الرسميين) وغلا في

الزراية عليهم. ومن الواضح أنه يريد (بالعلماء الرسميين) علماء الأزهر. وإني

لأكره هذا من أي كان في رجال الدين، هذا إلى أنهم قومي ومعشري وهم الذين

أعتز بهم، وأدين بكل ما أفاء الله علي من النعم لهم. وإن أنس لا أنسى أن ممن

أصحر لهم السيد رشيد بالخصومة من جلست بين أيديهم، وأخذت عنهم. وتخرجت

في التعليم عليهم. فأصبح لهم بهذا حق في دمي فإذا اعتذر السيد الفاضل بأنهم

يقارضونه هذا الأذى فما أجدر علماء الدين جميعا بغير هذا اللون من الحوار

ففي الجدال بالحسنى كفاية، وفي الحجة وحدها المقنع، ما دامت غاية الجميع

إفشاء حكم الله وإعلاء كلمة الإسلام اه.

... ... ... ... ... ... ... ... ... عبد العزيز البشري

(المنار)

أما الأمر الأول مما بادأني وقراء الوحي به وهو حكم الاجتهاد والتقليد فإن

شاء أن يعرف رأيي التفصيلي فيه فإن لي فيه كتابا مدونا طبع المرة بعد المرة،

وبحثا فياضا في مقدمة طبع كتاب المغني الكبير فليرجع إليهما، وليقل فيه ما يشاء

فإني أنشره له إن أحب، وما كتبته في كتاب الوحي المحمدي كاف فيه؛ لأنه مبني

على الاختصار، ولم ينكر علي أحد من كبار علماء الأزهر الرسميين ولا من

غيرهم ممن ذكروا لي رأيهم في الكتاب كلمة منه.

وأما الأمر الثاني [3] وهو ما عبر عنه بالهتاف بالعلماء الرسميين والغلو في

الزراية عليهم فقد ظلم علماء الأزهر - وهم قومه ومعشره - به، فلفظ العلماء

الرسميين لا يدل على علماء الأزهر، ولا أنا بالذي عنيتهم به، وإنما عنيت به ما

كان يعنيه الإمام الغزالي وغيره بعلماء الرسوم، وما يعنيه أهل هذا العصر بعلم

حملة الشهادات التي عبر عنها بعضهم بجلد الحمار، وهم يوجدون في جميع

الأمصار، وكذلك استعماله مادتي الوضوح والإصحار بالخصومة فقد وضعهما في

غير موضعهما على ما أعهد من حسن فهمه للغة وحسن أدائه فيها، فكتاب الوحي

المحمدي بمعزل من الإصحار بالخصومة أو إسرارها لطائفة من العلماء بأعيانهم أو

صفاتهم أو مكانهم، وإنما تلك صيحة تنبيه لمن يصدون المسلمين عن هداية

القرآن، زاعمين أنه لم يبق له من الفائدة إلا التبرك به والتعبد بألفاظه من

غير فهم ولا تدبر ولا اتعاظ، فهل يعد الكاتب شيوخه منهم؟ إن كان كذلك فهو

أشد مني زراية عليهم، وإذن لا يغني عنهم دفاعه عنهم ولا اعتزازه بهم، ولا

منتهم عليه.

وإني على كل حال أحمد الله أن كان نظره إلي بعين السخط قد انقلب خاسئا

وهو حسير دون رؤية شيء من المساوئ في كتاب الوحي المحمدي يمكن جعله

تشويها لجمال تقريظه، إلا هذه الكلمة التي كان فيها من الخاطئين، فكانت هذه

الواحدة كواحدة أبي سفيان في حديثه مع هرقل، وقد كاشفته بخطئه في سوء ظنه

مشافهة فسره أن كان نفيي للزراية على شيوخه والإزراء بهم خيرا لهم من إثباته

ودفاعه عنهم، وإنني وإياه لنقسم شرف تقريظه في سخطه فهو بيننا شق الأبلمة.

* * *

تقريظ الكاتب الكبير

عباس محمود العقاد

نشر في جريدة الجهاد

أكثر من قرأت لهم من كتاب المباحث الدينية الأحياء اثنان: هما السيد

محمد رشيد رضا صاحب المنار والأستاذ محمد فريد وجدي صاحب التواليف

والتصانيف الكثيرة المعروفة باسمه.

فأما السيد رشيد فهو أوفر نصيبا من الفقه [4] والشريعة والدراسات الموروثة

ومزيته على الكتاب الدينيين في العصر الحاضر أنه خلا من الجمود الذي يصرفهم

عن لباب الفقه إلى قشوره، وسلم من تلك العفونات النفسية التي تعيب أخلاقهم

وتشوه مقاصدهم، فهو أدنى إلى الصواب وأنأى عن العوج وسوء النية.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٣٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٣٠٣