سبط لاوي إذ تربت في بيت أحد أحباره، ثم وفت نذر أمها فترهبت في البيت الذي
نذرتها له، وكان بيت هارون هو الذي يقوم بشأنه وينسب كل شي فيه له وكان ذلك
حقهم الذي أعطتهم التوراة إياه من عهد أبيهم هارون إلى ذلك العهد كما ورد ذلك في
الإصحاح العاشر من سفر التثنية (هناك مات هارون وهناك دفن فكهن العازر ابنه
عوضا عنه) .
فلما حملت مريم بابنها وأتت به قومها تحمله بعد وضعها له خاطبوها هذا
الخطاب الذي تخاطب به كل مترهبة مثلها {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ
سوء وما كانت أمك بغيا} (مريم: 28) وقد آثروا خطابها بذلك على غيره ولم
يقولوا لها: يا مريم أو نحو ذلك؛ ليشيروا بذلك إلى أن ما أتت به إلا يليق بمترهبة
مثلها قضت حياتها بين الأحبار حتى صارت كواحد منهم وعدت أختا لهم، فقولهم
يا أخت هارون في قوة قولهم يا أخت الأحبار سواء بسواء.
فالمراد بهارون في الآية هارون أخو موسى قطعا، وقد قال كعب الأحبار
لعائشة رضي الله عنها: إن هارون فيها ليس أخا موسى فقالت له: كذبت، فقال
لها: يا أم المؤمنين إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلم وأخبر وإلا
فإني أجد بينهما ستمائة سنة فسكتت والحق مع عائشة رضي الله عنها. وهذا
خطاب تسوغه العربية وإن كان بين مريم وهارون أكثر من ستمائة سنة، وأين من
هذا القول المبني على دقائق التاريخ الإسرائيلي ما يقوله الذي يذهب إلى أن هارون
في الآية غير هارون أخي موسى من أن أهل الصلاح فيهم كانوا يسمون هارون،
وأن هارون هذا كان رجلا صالحا في عهدها، قيل: إنه يوم مات تبع جنازته
أربعون ألفا من بني إسرائيل كلهم يسمى هارون سوى سائر الناس، فمن يصدقنا
في هذا الغلو؟ ومن هو هارون هذا الذي لا يعدو أمره إلا أن يكون هيان بن بيان،
ولو تبع جنازته ثمانون ألفا يسمون هارون لا أربعون، وقيل: إنه كان أخا لمريم
من أبيها وهو قول مثل سابقه من تلك الإسرائيليات التي اخترعت لتفسير بعض
آيات القرآن الكريم ولم يخف أمرها على كثير من محققي المفسرين ولكنه كان لها
أثرها في صرف المفسرين عن الرجوع إلى غيرها مما صح من أخبار بني
إسرائيل والانتفاع به بدلها في علم التفسير.
وإني الآن في حالة من هذا الرأي الذي أذهب إليه في تفسير تلك الآيات بعد
الرجوع إلى تاريخ هذه النذيرة لا أشك معها في أن شعب بني إسرائيل كان لا
يخاطبها إلا هذا الخطاب المحبوب (أخت هارون) فأصبح هو الغالب عليها
وأصبحت لا تعرف إلا به، ونسي الناس نسبها الجسدي إلى أبيها وآثروا عليه هذا
النسب الروحي إلى هارون أب الأحبار الذين ربوها هذه التربية الروحية التي
صرفت قلوب الشعب إليها وجعلتهم يلهجون بذكرها، وما أخالهم كانوا يعنون بأبيها
في قولهم: ﴿ما كان أبوك امرأ سوء﴾ (مريم: 28) إلا زكريا عليه السلام فهو
الذي تولى تربيتها وكان الأب الروحي لها.
وإني لا أشك أيضا في أنهم كما كانوا ينادونها هذا النداء المحبوب (أخت
هارون) كانوا ينادونها نداء آخر محبوبا (ابنة عمران) عمران أبي موسى وهارون
الذي جعل من الآباء الأولين للأنبياء والمؤمنين مع آدم ونوح وإبراهيم {إن الله
اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} (آل عمران: 33)
ولماذا لا تكون مريم ابنة روحية لعمران وهي أخت روحية لابنه هارون؟ اللهم إني
لأعجب من هذه النسبة إلى عمران. كيف لا يلتفت إليها أحد من المفسرين فيذهب
بعضهم في قوله تعالى: ﴿ومريم ابنة عمران﴾ (التحريم: 12) إلى أن عمران
فيه هو أبو موسى ويؤول فيه بتأويل من تأويلاتهم كما ذهب بعضهم إلى مثل هذا
في قوله تعالى: ﴿يا أخت هارون﴾ (مريم: 28) وقد كان عمران أقرب أولئك
الآباء السابقين إلى اليهود وهو والد موسى صاحب شريعتهم ومنشئ أمتهم. فمن
المعقول جدا أن ينسبوا إليه هذه النسبة التشريفية كل من يتعلقون بحبه منهم مثل