هذه النذيرة أو غيرها من نسائهم أو رجالهم.
وأما قوله تعالى في حق والدتها: ﴿إذ قالت امرأة عمران﴾ (آل عمران:
35) فالإضافة فيه على معنى من، والمراد امرأة من عمران وقد كانت حنا والدة
مريم من بنات هارون بن عمران مثل أليصابات، وهذه الإضافة يقصد منها في
القرآن الكريم تشريف والدة مريم بإضافتها إلى عمران عقب ذكره اصطفاءه له
ولآله على العالمين، وهي أيضا من آله من جهة إيمانها ومن جهة نسبها، وهذا كما
قصد من إضافة ابنتها إلى هارون وعمران تشريفها فكلها إضافات تشريفية لا
تقتضي نسبا حقيقية، وقد تكون حنا من غير سبط عمران ولكنها تنسب إليه؛ لأن
أبوته المذكورة في القرآن الكريم لكل المؤمنين من بني إسرائيل فيدخل فيها كل
الأسباط ولا يختص بها سبط دون سبط.
وإذ بعدنا بالقرآن الكريم عن مجال الطعن وهو ما يمتاز به تفسيرنا لتلك
الآيات مع ما يقوم عليه من تلك الأسس التاريخية واللغوية فلا نحب أن نترك هذا
البحث بدون أن نختمه بذكر رأينا في اسم والد مريم الذي جاءت بها أمها حنا منه
فقد يكون اسمه هالي أو عالي، وقد يكون اسمه يهوياقيم وقد يكون اسمه عمران
بهاتين النسبتين التشريفيتين (أخت هارون وابنه عمران) نسي الناس فيهما نسبتها
الحقيقية، وساعد على ذلك موت أبيها قبل أن تلدها أمها، ولا يوجد الآن نص
صريح في القرآن الكريم أو الأناجيل الموجودة لدى المسيحيين يمكن أن يؤخذ منه
اسم أبيها بيقين. فأما القرآن الكريم فقد جاء فيه: ﴿ومريم ابنة عمران﴾ (التحريم:
12) ولكن هذا شأنه ما لو كان قيل فيها ابنة إسرائيل أو ابنة إبراهيم أو غيرهما
من آبائها الأولين الذين يصح نسبها إليهم على طريق التشريف والتعظيم، وأما
إنجيل يعقوب الذي سمي فيه أبوها يهوياقيم فهو ليس من الأناجيل الموثوق بها
لدى المسيحيين [3]
وأما إنجيل لوقا الذي ورد فيه اسم هالي فإن هذا الاسم لم يرد فيه مضافا
صريحا إلى مريم، وإنما ذكره مضافا إلى ابن عمها يوسف النجار فيما ذكره من
نسب المسيح وقد قال: إنه كان فيما يظنه الناس ابن يوسف هذا خطيب أمه مريم،
وهذا هو نصه في ذلك من الإصحاح الثالث (ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين
سنة وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي بن منثات) فهو في صريح هذا
النص والد يوسف لا والد مريم، ولكن إنجيل متى ذكر في نسب المسيح من
إصحاحه الأول أن رجل مريم التي ولد منها المسيح يوسف بن يعقوب بن متان إلخ
فوالد يوسف في هذا النسب يعقوب لا هالي وهذا تناقض ظاهر فاضطروا في دفع
هذا التناقض إلى أن يقولوا: إن هالي كان والد يوسف من جهة مريم؛ لأنه لم يكن
لأبيها ولد ذكر فنسب إليه يوسف على ما كان مقررا عند اليهود في ذلك، ولكن
التناقض بين الإنجيليين في نسب المسيح لا يقف عند هذا التناقض، وقد ذكر لوقا
في نسب المسيح إلى إبراهيم عليهم السلام أربعة وخمسين أبا، وذكر متى واحدا
وأربعين أبا، فمن الجائز أن يكون هالي من آباء يوسف الذين تركهم متى أو نحو
ذلك، وليس أبا لمريم، وليس عندهم نص غير هذا النص قيل فيه صريحا إن مريم
كانت ابنة هالي حتى يمكننا أن نجزم به في نسبتها إليه، وغاية ما عندهم في ذلك
أن اليهود كانوا يسمونها مريم بنت هالي ولكن في أي كتاب وفي أي زمان سمى
اليهود بذلك مريم وزنا عليها السلام؟
... ... ... ... ... ... ... ... عبد المتعال الصعيدي
... ... ... ... ... ... ... ... المدرس بكلية اللغة العربية
-----------------
<span class="footnote">
(*) بقلم الأستاذ البحاثة الفاضل الشيخ عبد المتعال الصعيدي.
(1) المنار في بعض روايات حديث المعراج (فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى) .
(2) المنار: بل نرى علماءنا ينسبون موالي العرب من الأعاجم إلى قبائلهم (أي قبائل العرب) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مولى القوم منهم) .