المفسرين وتكون إيشاع (أليصابات) على هذا خالة مريم وقيل: إنها كانت أختها
والذي أرجحه أنها كانت تمت إليها بقرابة من جهة أمها، ولم تكن أختها [1] لأن
أليصابات كانت من سبط لاوي ومريم كانت من سبط يهوذا وقد تكون أمها مع ذلك
أخت ألصيابات وقد تكون من بنات عمها ويرجع هذا إلى أن إنجيل لوقا لم يعين
هذه القرابة ولا ضير علينا في أن نرجع إليه في ذلك وأشباهه.
وكانت حنة قد أمسك عنها الولد حتى أيست وكبرت فدعت الله أن يهب لها
ولدا ونذرت أن تتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه فحلمت بمريم
ومات أبوها قبل أن تضعها فلما وضعتها لفتها في خرقة وحملتها إلى بيت المقدس
ووضعتها عند أحباره من أبناء هارون عليه السلام، وكانت كهانة بني إسرائيل لهم
متوارثة فيهم فكانوا يلون من بيت المقدس ما تلي الحجبة من الكعبة، فتنافس
الأحبار في هذه النذيرة الصغيرة أيهم يكفلها وقد فاز بها منهم زكريا عليه السلام
زوج قريبتها أليصابات، وكان زكريا مثل أولئك الأحبار من أبناء هارون وهم من
سبط لاوي ولم يكن من نسل داود كما يزعم بعض المفسرين بعد أن ذكر أن أحبار
بني إسرائيل كانوا من أبناء هارون، وهذا الاضطراب منشؤه عدم الإلمام الكافي
بدقائق تاريخ بني إسرائيل، وذلك مما يجب توفره في مفسري القرآن الكريم
فضم زكريا مريم إليه ورباها في بيته الهاروني واهتم بأمرها اهتماما بالغا
حتى يقال: إنه بنى لها بيتا واسترضع لها مراضع غير أمها وكانت شيخة كبيرة لا
يغذيها لبنها التغذية التي تصل بها إلى حد الكمال في جسمها وغيره، ولا غرو أن
يهتم بها زكريا هذا الاهتمام فإنه كان قد كبر وشاخ ولم يرزق بولد، لأن امرأته
كانت عاقرا لا تلد مثل قريبتها حنا والدة مريم، فتبنى زكريا هذه اليتيمة الصغيرة
واهتم هذا الاهتمام بها حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محرابا في المسجد
وجعل بابه في وسطه فلا يرقى إليه إلا بسلم ولا يصعد إليها غيره، وكان كل يوم هو
الذي يقدم لها طعامها وشرابها.
فإذا أردنا أن نستخلص شيئا من تاريخ مريم إلى أن بلغت هذا السن من شبابها
أمكننا أن نستخلص منه هذه الأشياء: -
(1) أن مريم ولدت نذيرة الرب وابنة البيت المقدس، وانقطعت في ذلك
نسبتها إلى أبيها وأمها ولا يزال الناس ينذرون أولادهم إلى بعض من يعتقدون فيهم
فينسبونهم إليهم ويجعلونهم أبناءهم وتسمعهم يقولون عن أحدهم: إنه ابن السيد وهو
ليس ابنه، وعن الآخر: إنه ابن الرفاعي وهو ليس ابنه، وهكذا.
(2) أنها تربت في بيت من بيوت هارون وهم من سبط لاوي فاتصلت
نسبتها بهذا البيت وانقطعت نسبتها إلى سبط يهوذا قوم أبيها الذي مات قبل أن تولد،
ويظهر أن أمها ماتت وهي في سن الرضاع فشبت لا تعرف لها أبا غير زكريا
ولا أما غير زوجه أليصابات.
(3) أنها عاشت بين الأحبار أبناء هارون كأنها واحدة منها تشاركهم في
وظيفتهم الدينية وتقضي وقتها في عبادة ربها ولا ينظر قومها إليها إلا أنها راهبة
من راهبات بيتهم يقيسون بذلك أعمالها ويزنون به ما تفعله منها ويخاطبونها كما
يخاطبون واحدا من أولئك الأحبار، فإذا قالوا له: يا أخا هارون؛ لأنه واحد من
أبنائه قالوا لها: يا أخت هارون؛ لأنها أصبحت واحدة منهم، وهذا كما يقال في
العرب للتميمي مثلا: يا أخ تميم وللتميمية يا أخت تميم، فإذا جاور شخص تميما
وطال عيشه بينهم قيل له أيضا يا أخا تميم بحكم الجوار وقيل لزوجه أو غيرها من
نسائه يا أخت تميم مثله، وكان اليهود يوزعون أنفسهم على أسباطهم كما كان
العرب يوزعون أنفسهم على قبائلهم [2] وتتشابه في ذلك عيشة هذين الشعبين اللذين
يمتان إلى أصل واحد، ويتفرعان من أرومة واحدة.
فكان لهذه العوامل الثلاثة ذلك الأثر في انقطاع نسبة مريم إلى بيت أبيها من
سبط يهوذا إذا صح أنه كان من ذلك السبط، وفي اتصال نسبتها ببيت هارون من