فيصل رحمه الله تعالى، وقوى المتنازعين فيها، والخطر الأجنبي عليها، فأما
الخطر البريطاني فقد بيناه في المقالة التي قبل هذه، وأما الطلياني فلم يظهر لنا منه
شيء في هذه الفتنة. وأما المتنازعان الظاهران فهما الإمامان الحاكمان، ومن
دونهما بقية آل الإدريسي وهم يجهزون على أنفسهم بجهلهم، ولم يظهر بعد السيد
محمد الكبير أدنى استعداد للإمارة في أحد منهم، وقد عرف جميع المشتغلين
بالسياسة ما فعل علي وعبد الله في اقتطاع منطقة العقبة ومعان من الحجاز ووضعها
في قبضة الإنكليز، وعرفوا ما كان من عرض الملك علي الحجاز كله على
الإنكليز باسم الحماية كما دونه الريحاني في كتابه، وعرفوا كيف وضع عبد لله
إمارة شرق الأردن تحت السيادة الإنكليزية باسم الانتداب ورضي منهم بلقب
الأمير، وراتب حقير، ويعرفون كيف يستخدمونه الآن وسيعلمون ما هو شر منه،
كما يعلمون أن هذين الشريفين اللذين يعتقدان أنهما خلقا ليتحلى كل منهما بلقب ملك
من دولة أجنبية عدو للعرب وللإسلام ليس لهما عصبية قومية ولا ثروة ولا نفوذ
شخصي في الحجاز ولا في غيره، وأنهما يطلبان ملك الحجاز وغيره من الأجانب
فكيف يكون أمر الحجاز إذا ولي أحدهما أو غيرهما من أسرتهما أمره، إن خرج
منه ابن السعود بما يكيدون له؟ لا جرم أنه يكون مجالا للثورات والفتن، وتبطل
فريضة الحج والعياذ بالله تعالى فالحق أنه لم يبق في جزيرة العرب إلا قوتا الإمامة
الزيدية، والمملكة السعودية فأيهما أرجى لمصلحة الشعوب الإسلامية، والأمة
العربية؟
إن الجواب الصحيح عن هذا السؤال يتوقف على العلم بحقيقة قوة إمام اليمن
في بلاده وبصفة إدارته، وإخضاعه لزعمائها وعشائرها، ومعاملة قومه الزيدية
للشافعية في تهامتها وبقدر استعداده لحفظ الحجاز وتأمينه للمسلمين، إن قدر على
إخراج ابن السعود منه وحل محله دون الحجازيين، أنا لا أصف لهم ما أعلم من
ذلك. وإن كثيرا منهم ليعلمون ما أعلم وأكثر مما أعلم، وإني قد عنيت بخدمة ملك
الإمام يحيى وإمارته بما يعلمه هو وقليل من الناس، وإنني لا أقول في هذا
الموضوع شيئا الآن، وإنما أدع القول للزمان، وربما قال كلمته الفاصلة قريبا في
قوته الحربية، وطال بعد المدى في انتظار قوته الإدارية، ولا يعلم إلا الله ما
يحدث فيما بين الكلمتين مما أشار إليه الحديث (ويل للعرب من شر قد اقترب)
كذلك لا أقول شيئا في استعداد ابن السعود لأمن الحجاز وعمرانه فوق ما عرفه
العالم كله بالتواتر عن مشاهدة مئات الألوف من حجاج الأقطار كلها، فما هو
معلوم من تأمين الدولة السعودية للحجاز باليقين تعجز اليمن عن مثله باليقين عند
العارفين، وإن شك فيه غيرهم، واليقين مقدم على الشك والظن.
وأما مصلحة الأمة العربية في جزيرتهم فالقضية القطعية فيها الآن أن يحفظ
كل من الإمامين قوته لنفسه في بلاده لإبقاء ما كان على ما كان، وعقد محالفة
بينهما على السلم والأمان، والتعاون على البر والتقوى دون الإثم والعدوان.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">