تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في سبيله: {والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات

وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} (العصر: 1 - 3) .

التوحيد الإسلامي والأمر بالمعروف:

التوحيد أساس الإسلام وقطب رحاه، وضد (الشرك) الذي أشرب المسلمون

بعضه في قلوبهم، ومعنى التوحيد أن يوحد الله في ذاته وصفاته، والشرك هو أن

يجعل له سبحانه شريك في ذاته أو صفاته. والتوحيد يعلم المسلمين أن الخوف

والخشوع لا يكون إلا لله الواحد العظيم، أما غيره فلا يخاف منه ولا يخشع له، وأن

من يخشى غير الله فهو مشرك به وجاعل غيره أهلا للخوف والطاعة، وهذا ما لا

يجتمع مع التوحيد أبدا.

الإسلام من أوله إلى آخره دعوة عامة إلى البسالة والجرأة والتضحية

والاستهانة بالموت في سبيل الحق، والقرآن يكرر هذا مرة بعد أخرى: {ولا

يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا} (الأحزاب: 39) {من آمن بالله

واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله} (التوبة: 18)

﴿ولا يخافون لومة لائم﴾ (المائدة: 54) {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا

تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران: 175) {أليس الله بكاف

عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد} (الزمر: 36) .

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب

ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) رواه الحاكم عن جابر على شرط

الصحيحين، وفي رواية: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) (رواه أبو

داود وابن ماجه والترمذي) وقد كان يأخذ العهد من أصحابه أن يقولوا بالحق أينما

كانوا (كما رواه عبادة بن الصامت وأخرجه الشيخان) .

وقد ابيضت عين الدهر، ولم تر مثل هذه الضحايا العظيمة الكثيرة في إعلاء

كلمة الحق التي قدمتها الأمة الإسلامية في كل دور من حياتها، فتراجم علمائها

ومشايخها وسادتها عبارة عن هذه الضحايا.

ألا فلتعلم الحكومة الإنجليزية أن المسلم الذي أمره ربه أن يرحب بالموت

الأحمر، ويتغلغل في لجج الدواهي والكوارث ولا يقبل السكوت عن الحق - لا يخيفه

قانون (124) من العقوبات الهندية ولا يرده عن دينه وأداء فريضته؛ إذ أكبر عقاب

في هذا القانون حبس المرء طول حياته، والمسلم يرحب به ويتمناه إن كان لا بد منه

في سبيل الحق.

لا يوجد في الإسلام قانون 124:

إن تاريخ الأمة الإسلامية ينقسم إلى دورين مختلفين، فالدور الأول دور

نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وخلفائه الأربعة، وقد كان النظام الإسلامي

الجمهوري فيه قائما بأتم معانيه، فكانت الأمة متمتعة بالجمهورية الحق، ترتع في

رياض المساواة الإسلامية العامة، وتعيش عيشة هنيئة في ظلال الحرية الكاملة، لا

تخيفها الملكية المطلقة، ولا تثقل كواهلها القيصرية والكسروية، خليفتها ورئيس

جمهوريتها من آحادها، تنصبه بأيديها وتحاسبه في جليل الأمور وحقيرها، ولا

تسمح له أن يجحف بها أو يستبد برأيه دون رأيها، وهو نفسه يكون من أعدل

الناس وأفضلهم وأعلمهم بوظائف الخلافة والحكومة، يعيش عيشة الفقراء

والمساكين، يستر جسده بأطمار بالية، ويسكن في كوخ حقير، ولم يكن إذ ذاك

بدار الخلافة الإسلامية (القصر الأبيض) لجمهورية أمريكا.

وقد كان المسلمون في هذا الدور يقاطعون الخلفاء ويناقشونهم وهم على المنابر

يخطبون، حتى إن عجوزا من عجائز العاصمة كانت تتجرأ عليهم وتخاطب الواحد

منهم على ملأ من الناس بقولها: (إن تزغ عن الحق نقومك بسيوفنا) والخليفة لا

يؤاخذها ولا يعاقبها على ذلك بجناية (الثورة) بل يشكر الله ويحمده أن وجد في

الأمة ألسنة صادقة ذربة في إعلان الحق كهذه العجوز. وقد قام الخليفة مرة يوم

الجمعة خطيبا وقال (اسمعوا وأطيعوا) فرد عليه رجل قائلا: والله لا نسمع ولا

نطيع لأنك خنت الأمانة وأخذت القماش أكثر من سهام المسلمين، فنادى الخليفة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٧٦