تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أحدا بأن يرتد عن دينه، فليس لكم أن تطالبوا مسلما بأن يمتنع عن قوله للظلم: إنه

ظلم، لأن معنى كلتا المطالبتين واحد.

إن التصديق بالحق وإعلانه عنصر ضروري للحياة الإسلامية، فإن فصل

عنها فقدت أكبر ما تمتاز به؛ لأن الإسلام أسس قومية المسلمين عليه، وجعلهم

شهداء الحق على العالم كله، فكما يجب على الشاهد أن لا يتوانى في إبداء شهادته

كذلك يتحتم على المسلم أن لا يتتعتع في إعلاء الحق، ولا يبالي في أداء فرضه

بمصيبة وابتلاء، بل يصدع به حيثما كان، ولو لاقى دونه الحمام. وتصير هذه

الفريضة أوكد وأوجب عندما يسود الظلم والجور، ويمنع الناس من إعلان الحق

بالعنف والشدة؛ لأنه إن أجيز السكوت عنه خوفا من بطش الجبارين الذين يقطعون

الألسنة ويفتنون الأبدان بأنواع من العذاب، يصبح الحق في خطر دائم، ولا يبقى

لظهوره وقيامه من سبيل، مع أن ناموس الحق فوق القوة، وليس بمحتاج في ثبوته

إلى تصديق القوة، ولا يضره سكوت الناس عنه قاطبة، بل إنه يظل على كل حال

حقا: حقا عندما نجد في سبيله ما نحب ونشتهي، وحقا عندما يكون دونه الموت

الزؤام، وهل تصير النار بردا، والثلج نارا لأننا نحبس ونسجن؟

وجوب الشهادة بالحق وخطر كتمانها:

لهذا أنبئ المسلمون في كتابهم أنهم (شهداء الحق) في أرض الله، فالشهادة

بالحق والصدع به وظيفتهم الملية وديانتهم القومية التي تميزهم عن سائر الأمم

الغابرة والآتية: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس﴾ (البقرة:

143) وقال لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم: (أنتم شهداء لله في الأرض [1] )

فالمسلم ما دام مسلما لا يستطيع كتمان هذه الشهادة، وإن حبس أو قتل أو ألقي

جسده في النيران المتأججة.

وأخبر القرآن بأن من يكتم شهادته يبوء بغضب الله، ومأواه جهنم وبئس

المهاد، وكذلك أنبأ أن الأمم الكبيرة لم تهلك إلا لأنها كتمت الحق: {إن الذين

يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم

الله ويلعنهم اللاعنون} (البقرة: 159) [2] وقال: {لعن الذين كفروا من بني

إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا

لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} (المائدة: 78-79) .

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

ولذا نجد (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من آكد الفرائض الإسلامية،

وقد أخبر القرآن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أساس لعظمة المسلمين

وفخارهم القومي، وأنهم خير الأمم لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر،

وأنهم إن حادوا عنه يفقدون سؤددهم ومجدهم الشامخ {كنتم خير أمة أخرجت للناس

تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} (آل عمران: 110) وقال النبي صلى

الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو

ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده، ثم لتدعنه ولا يستجاب لكم) رواه

الترمذي عن حذيفة.

وأما أداء هذه الفريضة فعلى ثلاث درجات في ثلاث حالات مختلفة، قال

النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع

فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (رواه مسلم) .

وحيث إننا لسوء حظنا لا نقدر في هذه البلاد على تغيير منكرات الحكومة

بأيدينا لجأنا إلى الدرجة الثانية التي في وسعنا وهي أن نعلن بألسنتنا ظلمها ومساوئها،

ونندد بمثالبها ونشهر بمعايبها.

الأركان الأربعة:

إن القرآن وضع أساس الحياة الإسلامية على أربع دعائم: الإيمان، والعمل

الصالح، والتوصية بالحق، والتوصية بالصبر. فالإيمان والعمل الصالح معناهما

ظاهر، أما (التوصية بالحق) فهي أن يوصي كل أخاه بالتزام الحق.

(والتوصية بالصبر) هي أن يتواصيا بتجشم المهالك وتحمل النوازل في

سبيل الحق، وإنما قرنت هذه بتلك؛ لأن وقوع المحن والمشاق أمر لا مناص منه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٧٥